الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فإن قيل أيما أفضل حال الأغنياء أم حال الفقراء ؟ فالجواب أن الناس أقسام :

أحدها : من يستقيم على الغنى وتفسد أحواله بالفقر ، فلا خلاف أن غنى هذا خير له من فقره .

القسم الثاني : من يستقيم على الفقر ويفسده الغنى ويحمله على الطغيان فلا خلاف أن هذا فقره خير من غناه .

القسم الثالث : من إذا افتقر قام بجميع وظائف الفقر كالرضا والصبر ، وإن استغنى قام بجميع وظائف الغنى من البذل والإحسان وشكر الملك الديان ، فقد اختلف في أي حالي هذا أفضل فذهب قوم : إلى أن الفقر لهذا أفضل .

وقال [ ص: 224 ] آخرون : غناه أفضل وهو المختار ، لاستعاذته صلى الله عليه وسلم ، من الفقر ، ولا يجوز حمله على فقر النفس لأنه خلاف للظاهر بغير دليل ، وقد يستدل لهؤلاء لأن الرسول عليه السلام كان أغلب أحواله الفقر إلى أن أغناه الله عز وجل بحصون خيبر وفدك والعوالي وأموال بني النضير .

والجواب عن ذلك أن الأنبياء والأولياء لا يأتي عليهم يوم إلا كان أفضل من الذي قبله ، فإن من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو ملعون أي مطرود مغبون ، وقد ختم آخر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بالغنى ولم يخرجه غناه عما كان يتعاطاه في أيام فقره من البذل والإيثار والتقلل حتى أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير ، وكيف لا يكون كذلك وهو عليه السلام يقول : { ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك } أراد بالفضل ما فضل عن الحاجة الماسة كما فعل صلى الله عليه وسلم ، فمن سلك من الأغنياء هذا الطريق فبذل الفضل كله مقتصرا على عيش مثل عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا امتراء بأن غنى هذا خير من فقره .

ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة أنه قال { أتى فقراء المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ذهب ذوو الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم يعتقون ولا نجد ما نعتق ، ويتصدقون ولا نجد ما نتصدق ، وينفقون ولا نجد ما ننفق ؟ فقال ألا أدلكم على أمر إذا فعلتموه أدركتم به من كان قبلكم وفتم به من بعدكم ؟ قالوا بلى ، قال : تسبحون الله تعالى وتحمدونه وتكبرونه على إثر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فلما صنعوا ذلك سمع الأغنياء بذلك فقالوا مثل ما قالوا ، فذهب الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد قالوا مثل [ ص: 225 ] ما قلنا ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : { يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام } وقوله عليه السلام : { اطلعت على الجنة فرأيت أكثرها الفقراء واطلعت على النار فرأيت أكثرها النساء } فإن ذلك محمول على الغالب من أحوال الأغنياء والفقراء ، إذ لا يتصف من الأغنياء بما ذكرناه من أن يعيش عيش الفقراء ويتقرب إلى الله تعالى بما فضل من عيشه مقدما فضل البذل فأفضله ، إلا الشذوذ النادرون الذين لا يكادون يوجدون ، الصابرون على الفقر وقليل ما هم ، والراضون أقل من ذلك القليل .

ويحقق هذا أنه عليه السلام كان قبل الغنى قائما بوظائف الفقراء فلما أغناه الله قام بوظائف الفقراء والأغنياء ، فكان غنيا فقيرا صبورا شكورا راضيا بعيش الفقراء جوادا بأفضل جود الأغنياء .

التالي السابق


الخدمات العلمية