الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( ولو ضيف بمسموم ) يعلم أنه يقتل غالبا غير مميز ( صبيا ) كان ( أو مجنونا ) أو أعجميا يعتقد وجوب طاعة الآمر فأكله ( فمات وجب القصاص ) ؛ لأنه ألجأه إلى ذلك سواء أقال هو مسموم أم لا كذا عبر به كثيرون مع فرض أكثرهم الكلام في غير المميز وهو عجيب إذ لا يتعقل مخاطبة غير المميز بنحو ذلك ولا يتوهم أحد فيه فرقا بين القول وعدمه فلذا قال الشارح بالكلية ؛ لأنه لا معنى لوجوده بحضرة غير المميز فتأمله ولك أن تجعل العناية في كلام الشارح بالنسبة للمميز الصادق به الصبي وتمنع أنه يطرد فيها أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها بل قد ينعكس ، وقد يستويان كما في قوله تعالى { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } ولما نظر الكشاف إلى الغالب أول الآية بما أكثر المحشون على كلامه وغيرهم الكلام فيه ردا وجوابا فراجعه .

                                                                                                                              نعم عندي في الآية جواب هو أن باذل المال قد يبذله كرها ، وقد يبذله اختيارا وهذا قد يبذله ساكتا ، وقد يبذله مصرحا بأنه فداء عن نفسه المذعنة بالخطأ والتقصير فإذا لم يقبل ذلك البذل من هذا فممن قبله أولى فهي حينئذ من الغالب ، أما المميز فكذلك على منقول الشيخين لكن بحثهما ومنقول غيرهما وانتصر لهما جمع متأخرون أنه كما في قوله ( أو بالغا عاقلا ولم يعلم حال الطعام ) فأكله فمات ( فدية ) لشبه العمد كما بأصله فهو أبين تجب هنا لتغريره لا قود لتناوله له باختياره ( وفي قول قصاص ) لتغريره كالإكراه ويجاب بأن في الإكراه إلجاء دون هذا { وقتله صلى الله عليه وسلم [ ص: 384 ] لليهودية التي سمته بخيبر لما مات بشر رضي الله عنه } لا دليل فيه لأنها لم تقدمه بل أرسلت به إليهم فقطع فعل الرسول فعلها كالممسك مع القاتل وبفرض أنه لم يقطعه فعدم رعاية المماثلة هنا بخلافها مع اليهودي السابق قرينة لكون قتله لها لنقضها العهد بذلك على ما يأتي آخر الجزية لا للقود وتأخيره لموت بشر بعد العفو لتحقق عظيم الجناية التي لا يليق بها العفو حينئذ لا ليقتلها إذا مات والحاصل أنها واقعة حال فعلية محتملة فلا دليل فيها ( وفي قول لا شيء ) تغليبا للمباشرة ويجاب بأن محل تغليبها حيث اضمحل ما معها كالممسك مع القاتل ولا كذلك هنا أما إذا علم فهدر ؛ لأنه المهلك لنفسه ولو قدم إليه المسموم مع جملة أطعمة ، فقضية كلام الإمام أنه كما لو كان وحده وهو متجه لوجود التغرير حيث جرت العادة بمد يده إليه سواء النفيس وغيره وهذا أوجه من ترددات للأذرعي فيه وكالتضييف ما لو ناوله إياه أو أمره بأكله .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : يعلم أنه يقتل غالبا ) لم يبين هو ولا غيره محترز قوله غالبا ويتجه أنه لأجل جريان القصاص هنا وفيما يأتي على أحد الأقوال ، وأنه إذا لم يقتل غالبا بل نادرا أو كثيرا تجب دية العمد فليتأمل ثم رأيت في الروض قبل ذلك ولو سقاه سما يقتل كثيرا لا غالبا فكغرز الإبرة في غير مقتل ا هـ . قال في شرحه أما إذا كان يقتل غالبا فهو كغرز الإبرة بمقتل ا هـ فأخرج النادر لكن ينبغي أنه كذلك ويدل عليه قول المتن السابق وإن قصدهما بما لا يقتل غالبا فشبه عمد وقال الشارح هناك سواء قتل كثيرا أم نادرا فليتأمل .

                                                                                                                              ( قوله : فلذا قال الشارح وإن لم يقل إلخ ) لا يخفى أن ما قال الشارح هو بمعنى ما قاله غيره ؛ لأن معنى قوله وإن لم يقل إلخ أنه لا فرق بين القول وتركه ولا دلالة فيما قاله على أن اللائق ترك هذا القول بل الذي يدل عليه إنما هو أن لا أثر لتركه وأن الحكم مع تركه أضعف وهذا محل الإشكال في كلامه ( قوله ولو افتدى به ) [ ص: 384 ] قال البيضاوي محمول على المعنى كأنه قيل فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبا أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو تقرب منه في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة أو المراد ولو افتدى بمثله لقوله تعالى { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه } والمثل يحذف ويراد كثيرا ؛ لأن المثلين في حكم شيء واحد ا هـ وقوله محمول على المعنى إلخ جواب عما يقال إن لو الوصلية تدخل على أبعد الأمرين لتفيد أن الحكم المسكوت عنه أولى ولا يخفى أن الفدية بملء الأرض عن الحكم المسكوت عنه وهو عدم قبول مطلق الفدية فمقتضى الظاهر أن يقال لا يقبل منه الفدية ولو افتدى بملء الأرض فأجاب بثلاثة أوجه الأول ظاهر والثاني والثالث بأن يخرج لو عن الوصلية ، بقي الكلام في قوله أو المراد ولو افتدى قال الطيبي لا بد من تقدير الكلام ليستقيم المعنى وهو أن يقال ولو افتدى به وبمثله ص ( قوله : فعدم رعاية المماثلة إلخ ) قد يقال عدم رعاية المماثلة ؛ لأن العدول إلى السيف جائز ( قوله واقعة حال فعلية ) قد يمنع بل هي قولية الظهور أنه عليه الصلاة والسلام لم يباشر قتلها بل أمر به والأمر بالقول فليتأمل .



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله : يعلم ) إلى قوله كذا عبر به في النهاية والمغني .

                                                                                                                              ( قوله : يعلم أنه إلخ ) سكت عنه منهج والمغني فقضيته كمقتضى كلام الشارح الآتي في الدرس وفي التنبيه أنه ليس بقيد .

                                                                                                                              ( قوله : غالبا ) لم يبين هو ولا غيره محترزه ويتجه أنه احتراز عما إذا لم يقتل غالبا بل كثيرا أو نادرا فيجب حينئذ دية شبه العمد فليتأمل ثم رأيت في الروض ما يصرح بذلك في الكثير وينبغي أن النادر كذلك ويدل عليه قول المتن السابق وإن قصدهما بما يقتل غالبا فشبه عمد وقال الشارح هناك سواء قتل كثيرا أم نادرا سم ( قوله : أو أعجميا إلخ ) جعله من أقسام غير المميز لكونه في معناه هنا ( قوله : ؛ لأنه ألجأه إلخ ) أي ؛ لأن الضيف بحسب العادة يأكل مما قدم له وهو لكونه غير مميز لا يفرق بين حالة الأكل وعدمها فكان التقديم له إلجاء عاديا ع ش عبارة الحلبي قوله : لأنه ألجأه إلى ذلك أي ولا اختيار له حتى يقال إنه تناول ذلك باختياره له فحد العمد صادق على هذا ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله فلذا قال الشارح إلخ ) لا يخفى أن ما قاله هو بمعنى ما قاله غيره ؛ لأن معنى قوله وإن لم يقل هو مسموم أنه لا فرق بين القول وتركه ولا دلالة فيه على أن اللائق ترك هذا القول بل الذي يدل عليه إنما هو أنه لا أثر لتركه وأن الحكم مع تركه أضعف وهذا محل الإشكال في كلامه سم ( قوله أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها ) يتأمل فإن الظاهر بناء على ما اشتهر أن صواب العبارة أن ما قبلها أولى بالحكم مما بعدها ، ولو كان معنى الغاية ما أقاده لم يرد إشكال على عبارة الشارح حتى يحتاج لمنع اطراد معنى الغاية فتأمل سيد عمر وقوله أن الصواب أن ما قبلها أولى إلخ أي كما في بعض نسخ الشرح وأيضا يصرح بذلك قوله : الآتي نعم عندي في الآية جواب إلخ ( قوله : بل قد ينعكس ) أي ومنه قول الشارح المذكور ( قوله : بما ) أي بتأويل ( قوله وغيرهم ) أي غير محشي كلام الكشاف عطف على المحشون وقوله الكلام مفعول أكثر وقوله فيه أي في ذلك التأويل ( قوله وهذا ) أي الباذل بالاختيار ( قوله : المذعنة ) المعترفة ( قوله : من هذا ) أي ممن صرح بذلك ( قوله : فهي ) أي الآية ( قوله من الغالب ) أي أولوية ما قبل الغاية بالحكم مما بعدها ( قوله : أما المميز فكذلك ) ضعيف ( قوله : ومنقول غيرهما ) عطف على بحثهما ( قوله : أنه كما في قوله إلخ ) عبارة النهاية والمغني أما المميز فكالبالغ وكذا مجنون له تمييز كما قاله البغوي ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : كما بأصله ) وهو المحرر المختصر من الوجيز المختصر من الوسيط المختصر من البسيط المختصر من نهاية إمام الحرمين المأخوذ من الأم وكل من الوجيز والوسيط والبسيط للغزالي بجيرمي ( قوله : فهو ) أي ما في الأصل وقوله أبين أي أكثر بيانا مما في المتن ( قوله : تجب هنا ) خبر فدية وقوله لا قود عطف على ضميرها المستتر في تجب [ ص: 384 ] قوله سمته ) أي سمت له الشاة ( قوله : لما مات إلخ ) ظرف لقتله ( قوله : لا دليل فيه ) أي في قتله المذكور على وجوب القصاص ع ش ( قوله بل أرسلت به إليهم إلخ ) عبارة المغني ؛ لأنها لم تقدم الشاه إلى الأضياف بل بعثتها إليه صلى الله عليه وسلم وهو أضاف أصحابه وما هذا سبيله لا يلزمه قصاص ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : فقطع فعل الرسول إلخ ) عبارة النهاية ؛ لأنها لم تضيفهم بل أرسلت به إليهم وبفرض التضييف فالرسول فعله قطع فعلها إلخ ( قوله فعل الرسول ) أي الذي أرسلته بالشاة ع ش وهو فاعل قطع وقوله فعلها وهو الإرسال مفعوله ( قوله : فعدم رعاية المماثلة إلخ ) أي حيث لم يقتلها بمثل السم الذي قتلت به ع ش ( قوله : قرينة إلخ ) قد يقال عدم رعاية المماثلة ؛ لأن العدول إلى السيف جائز سم ( قوله : بذلك ) أي بإرسال المسموم ( قوله لا للقود ) أي لا لكونها ضيفت بالمسموم ع ش ( قوله : وتأخيره ) أي تأخير قتلها ع ش ( قوله بها ) أي بتلك الجناية ( قوله : حينئذ ) أي حين موت بشر رضي الله تعالى عنه ( قوله : واقعة حال فعلية إلخ ) قد يمنع بل هي قولية لظهور أنه صلى الله عليه وسلم لم يباشر قتلها بل أمر به والأمر بالقول فليتأمل سم ( قوله : فلا دليل إلخ ) أي ؛ لأن من قواعد إمامنا رضي الله تعالى عنه أن وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال ع ش ( قوله : أما إذا علم ) أي الضيف حال الطعام مغني .

                                                                                                                              ( قوله : فهدر ) كذا في النهاية والمغني .

                                                                                                                              ( قوله : وكالتضييف ما لو ناوله إياه ) اقتصر عليه المغني والنهاية .




                                                                                                                              الخدمات العلمية