الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 189 ] ذكر الحرب بين سنجر والغورية

في هذه السنة كان بين السلطان [ سنجر ] وبين الغورية حرب ، وكانت دولتهم أول ما قد ظهرت ، وأول من ملك منهم رجل اسمه الحسين بن الحسين ملك جبال الغور ومدينة فيروزكوه ، وهي تقارب أعمال غزنة ، وقوي أمره ، وتلقب بعلاء الدين ، وتعرض إلى أعمال ; ثم جمع جيشا عظيما ، وقصد هراة محاصرا لها ، فنهب عسكره ناب ، وأوبة ، ومارباد من هراة والروذ ، وسار إلى بلخ وحصرها ، فقاتله الأمير قماج ، ومعه جمع من الغز ، فغدروا به ، وصاروا مع الغوري فملك بلخ ، فلما سمع السلطان سنجر بذلك سار إليه ليمنعه ، فثبت له علاء الدين ، واقتتلوا ، فانهزم الغورية ، وأسر علاء الدين ، وقتل من الغورية خلق كثير ، لا سيما الرجالة ، وأحضر السلطان سنجر علاء الدين بين يديه ، وقال له : يا حسين لو ظفرت بي ما كنت تفعل بي ؟ فأخرج له قيد فضة وقال : كنت أقيدك بهذا وأحملك إلى فيروزكوه ; فخلع عليه سنجر ورده إلى فيروزكوه فبقي بها مدة .

ثم إنه قصد غزنة وملكها حينئذ بهرام شاه بن إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين ، فلم يثبت بها بين يدي علاء الدين ، بل فارقها إلى مدينة كرمان ، وهي مدينة بين غزنة والهند ، وسكانها قوم يقال لهم أبغان ، وليست هذه بالولاية المعروفة بكرمان . فلما فارق بهرام شاه غزنة ملكها علاء الدين الغوري ، وأحسن السيرة [ في أهلها ] واستعمل عليهم أخاه سيف الدين سوري ، وأجلسه على تخت المملكة ، وخطب لنفسه ولأخيه سيف الدين بعده .

ثم عاد علاء الدين إلى بلد الغور ، وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد خلعا نفيسة ، ويصلهم بصلات سنية ، ففعل ذلك وأحسن [ إليهم ، فلما ] جاء الشتاء ، ووقع الثلج ، وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع إليهم [ كاتبوا بهرام شاه الذي كان [ ص: 190 ] صاحبها ، واستدعوه إليهم ] ، فسار نحوهم في عسكره ، فلما قارب البلد ثار أهله على سيف الدين فأخذوه بغير قتال ، وكان العلويون هم الذين تولوا أسره ، وانهزم الذين كانوا معه ، فمنهم من نجا ، ومنهم من أخذ ، ثم إنهم سودوا وجه سيف الدين ، وأركبوه بقرة ، وطافوا به البلد ، ثم صلبوه ، وقالوا فيه أشعارا يهجونه بها وغنى بها حتى النساء .

فلما بلغ الخبر إلى أخيه علاء الدين الحسين قال شعرا معناه : إن لم أقلع غزنة في مرة واحدة ، فلست الحسين بن الحسين .

ثم توفي بهرام شاه ، وملك بعده ابنه خسروشاه ، وتجهز علاء الدين الحسين وسار إلى غزنة سنة خمسين وخمسمائة ، فلما بلغ الخبر إلى خسروشاه سار عنها إلى لهاوور ، وملكها علاء الدين ، ونهبها ثلاثة أيام ، وأخذ العلويين الذين أسروا أخاه فألقاهم من رءوس الجبال ، وخرب المحلة التي صلب فيها أخوه ، وأخذ النساء اللواتي قيل عنهن إنهن كن يغنين بهجاء أخيه والغورية ، فأدخلهن حماما ومنعهن من الخروج حتى متن فيه .

وأقام بغزنة حتى أصلحها ، ثم عاد إلى فيروزكوه ، ونقل معه من أهل غزنة خلقا كثيرا ، وحملهم المخالي مملوءة ترابا ، فبنى به قلعة في فيروزكوه ، وهي موجودة إلى الآن ، وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الجتر على عادة السلاطين السلجوقية .

وقد تقدم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من أخبارهم ، وفيه مخالفة لهذا في بعض الأمر ، وكلا سمعناه ورأيناه في مصنفاتهم ، فلهذا ذكرنا الأمرين ، وأقام الحسين على ذلك مدة ، واستعمل ابني أخيه ، وهما غياث الدين ، وشهاب الدين .

التالي السابق


الخدمات العلمية