الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الرابع : في الخطبة - بكسر الخاء - ، قال الغزالي : هي مستحبة ، ويمكن أن يحتج له بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما جرى عليه الناس ، ولكن لا ذكر للاستحباب في كتب الأصحاب ، وإنما ذكروا الجواز . ثم المرأة إن كانت خلية عن النكاح والعدة ، جازت خطبتها تعريضا وتصريحا ، وإن كان معتدة ، حرم التصريح بخطبتها مطلقا . وأما التعريض ، فيحرم في عدة الرجعية ، ولا يحرم في عدة الوفاة . وقيل : إن كانت عدة الوفاة بالحمل ، لم تخطب ، خوفا من تكلف إلقاء ولدها . والصحيح الأول . والبائن بطلاق أو فسخ ، يحل التعريض بخطبتها على الأظهر . والتي لا تحل لمن منه العدة بلعان أو رضاع أو طلاق الثلاث ، كالمعتدة عن الوفاة . وقيل : كالفسخ . ثم سواء كانت العدة في هذه الصور بالإقراء أم بالأشهر . وقيل : إن كانت بالإقراء ، حرم قطعا . والصحيح وبه قطع الجمهور : أن لا فرق . [ ص: 31 ] وفي المعتدة عن وطء بشبهة ، طريقان . المذهب : القطع بالجواز .

والثاني : طرد الخلاف . والتصريح ، كقوله : أريد نكاحك ، أو إذا انقضت عدتك نكحتك . والتعريض بما يحتمل الرغبة في النكاح وغيرها ، كقوله : رب راغب فيك ، من يجد مثلك ؟ أنت جميلة ، إذا حللت فآذنيني ، لا تبقين أيما ، لست بمرغوب عنك ، إن شاء الله لسائق إليك خيرا ، ونحو ذلك ، وحكم جواب المرأة في هذه الصور تصريحا وتعريضا حكم الخطبة . وجميع ما ذكرناه ، فيما إذا خطبها غير صاحب العدة . فأما صاحبها الذي يحل له نكاحها ، فله التصريح بخطبتها .

فرع

تحرم الخطبة على خطبة غيره بعد صريح الإجابة ، إلا إذا أذن الغير أو ترك . وصريح الإجابة أن تقول : أجبتك إلى ذلك ، أو تأذن لوليها ( في ) أن يزوجها إياه ، وهي معتبرة الإذن . فلو لم تصرح بالإجابة ، لكن وجد ما يشعر بها ، كقولها : لا رغبة عنك ، فقولان . القديم ، تحريم الخطبة . والجديد ، الجواز . ولو ردته ، فللغير خطبتها قطعا . ولو لم يوجد إجابة ولا رد ، فقيل : يجوز قطعا . وقيل بالقولين . والمعتبر ، رد الولي وإجابته إن كانت مجبرة ، وإلا فردها وإجابتها ، وفي الأمة رد السيد وإجابته ، وفي المجنونة رد السلطان وإجابته . ثم المفهوم من إطلاق الأكثرين ، أن سكوت الولي عن الجواب ، فيه الخلاف المذكور ، وخص بعضهم الخلاف بسكوتها وقال : سكوت الولي لا يمنع قطعا . وعن الداركي أن الخلاف في سكوت البكر ، ولا يمنع سكوت الثيب بحال .

[ ص: 32 ] فرع

يجوز الهجوم على الخطبة لمن لم يدر أخطبت أم لا ، ولم يدر أجيب خاطبها أم رد ، لأن الأصل الإباحة .

فرع

سواء فيما ذكرناه الخاطب المسلم والذمي إذا كانت كتابية . وقيل : يختص المنع بالخطبة على خطبة المسلم .

قلت : قال الصيمري : لو خطب خمس نسوة دفعة فأذن ، لم يحل لأحد خطبة واحدة منهن حتى يتركها الأول ، أو يعقد على أربع فتحل الخامسة . وإن خطب كل واحدة وحدها ، فأذن ، حلت الخامسة دون غيرها . هذا كلامه ، والمختار تحريم الجميع ، إذ قد يرغب في الخامسة . قال أصحابنا : ويكره التعريض بالجماع للمخطوبة ، ولا يكره التعريض والتصريح به لزوجته وأمته . - والله أعلم - .

فرع

يجوز الصدق في ذكر مساوئ الخاطب ليحذر ، وكذا من أراد نصيحة غيره ليحترز عن مشاركته ونحوها ، وليس هذا من الغيبة المحرمة .

[ ص: 33 ] قلت : الغيبة تباح بستة أسباب قد أوضحتها بدلائلها وما يتعلق بها وطرق مخارجها في آخر ( كتاب الأذكار ) .

أحدها : التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه ممن ظلمه ، فيقول : ظلمني فلان وفعل بي كذا .

الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر : فلان يعمل كذا فازجره عنه ، ونحو ذلك .

الثالث : الاستفتاء . بأن يقول للمفتي : ظلمني فلان أو أبي أو أخي بكذا ، فهل له ذلك ، أم لا ؟ وما طريقي في الخلاص ( منه ) ودفع ظلمه عني ؟ ونحو ذلك . وكذا قوله : زوجتي تفعل معي كذا ، وزوجي يضربني ويقول لي كذا ، فهذا جائز للحاجة . والأحوط أن يقول : ما تقول في رجل أو زوج أو والد من أمره كذا ، ومع ذلك فالتعيين جائز ، لحديث هند في الصحيحين : إن أبا سفيان شحيح . . . الحديث .

الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، وذلك من وجوه . منها : جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين ، وذلك جائز بالإجماع ، بل واجب ، صونا للشريعة .

ومنها : الإخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته .

[ ص: 34 ] ومنها : إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا ، أو عبدا سارقا ، أو زانيا ، أو شاربا ، تذكره للمشتري - إذا لم يعلمه - نصيحة ، لا بقصد الإيذاء والإفساد .

ومنها : إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علما ، وخفت عليه ضرره ، فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدا النصيحة . ومنها : أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو فسقه ، فتذكره لمن عليه ولاية ليستبدل به ، أو يعرف حاله فلا يعتبر به أو يلزمه الاستقامة .

الخامس : أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته ، كالخمر ، ومصادرة الناس ، وجباية المكوس ، وتولي الأمور الباطلة ، فيجوز ذكره بما يجاهر به ، ولا يجوز بغيره إلا بسبب آخر .

السادس : التعريف ، فإذا كان معروفا بلقب ، كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير ونحوها ، جاز تعريفه به ، ويحرم ذكره به تنقصا ، ولو أمكن التعريف بغيره ، كان أولى . هذا مختصر ما تباح به الغيبة . - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث