الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        عتق الأمة تحت عبد ، يثبت لها الخيار في فسخ النكاح كما سيأتي في الباب الآتي إن شاء الله تعالى . والغرض هنا بيان عتق المشركة مع إسلامها ، فإذا نكح عبد كافر أمة ، ثم أسلما وعتقت ، نظر ، إن عتقت بعد اجتماع الإسلامين ، فهي كسائر الإماء يعتقن تحت العبيد ، وليس هذا من صور الفصل ، وإن عتقت قبل اجتماع الإسلامين وهي مدخول بها ، فلها حالان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أن تسلم هي أولا وتعتق ، ويتخلف الزوج ، فليس لها الإجازة ، سواء عتقت ثم أسلمت ، أو أسلمت ثم عتقت ، لأنها معرضة للبينونة ، ولا يبطل بهذه الإجازة حقها من الفسخ . وإن اختارت الفسخ في الحال ، جاز ، فإذا فسخت ، [ ص: 162 ] فإن أسلم الزوج قبل انقضاء مدة عدتها ، فعدتها من وقت الفسخ ، وتعتد عدة حرة ، فإن لم تسلم حتى انقضت مدة عدتها ، فعدتها من وقت إسلامها . ويلغو الفسخ بحصول الفرقة قبله ، وتعتد عدة حرة إن عتقت ثم أسلمت . وإن أسلمت ثم عتقت ، فهي أمة عتقت في أثناء عدتها ، فهل تعتد عدة حرة ، أم عدة أمة ؟ فيه طريقان ، أقربهما إلى نص الشافعي - رضي الله عنه - وبه قطع في الشامل وغيره : أنها كالرجعية تعتق في أثناء العدة ، والمذهب فيها الاقتصار على عدة أمة ، وموضع بيانهما " كتاب العدد " . ولو أرادت تأخير الفسخ إلى أن تبين حال الزوج ، جاز ، ولا يبطل خيارها ، كالرجعية إذا عتقت في العدة والزوج رقيق . ثم إن لم يسلم الزوج حتى انقضت مدة العدة ، سقط الخيار ، وعدتها من وقت إسلامها وهي عدة حرة إن عتقت ثم أسلمت ، وإن أسلمت ثم عتقت ، فهل هي عدة حرة ، أم أمة ؟ فيه الطريقان . وإن أسلم الزوج ، فلها الفسخ ، وتعتد من وقت الفسخ عدة حرة .

                                                                                                                                                                        الحال الثاني : أسلم وتخلفت ، فلها الخيار على الصحيح ، لتضررها برقه . وقيل : لا خيار لها ، لأن خيار العتق من أحكام الإسلام ، وهي كافرة ، فلا يثبت لها . فإذا قلنا بالصحيح ، فلها تأخير الفسخ والإجازة ، ثم إن أسلمت قبل مضي العدة وفسخت ، اعتدت من وقت الفسخ عدة حرة . وإن لم تسلم حتى انقضت ، تبينا حصول الفرقة من وقت إسلام الزوج . وهل تعتد عدة حرة ، أم أمة ؟ فيه الطريقان . وهنا أولى بإلحاقها بالأمة ، لأنها بائن ليس بيد الزوج من أمرها شيء . ولو أجازت قبل أن تسلم ، لم تصح إجازتها على الصحيح ، لأنها معرضة للبينونة . ولو فسخت ، نفذ الفسخ على الصحيح وقول الأكثرين ، كالحالة الأولى . وقيل : لا ينفذ ، وبه قال ابن سلمة . وهو ظاهر نقل المزني ، لكنه مؤول عند الجمهور . [ ص: 163 ] فرع

                                                                                                                                                                        أسلم الزوج الرقيق ، هل لزوجته الكافرة خيار ؟ وجهان . أصحهما على ما قال الإمام والمتولي : لا ، لأنها رضيت برقه ولم يحدث فيها عتق ، والثاني : نعم ، وهو ظاهر نصه ، لأن الرق نقص في الإسلام ، وليس كبير نقص في الكفر . قال الداركي : الخلاف في أهل الحرب ، أما الذمية مع الذمي ، فلا خيار لها قطعا ; لأنها رضيت بأحكامنا . واعلم أن الوجهين جاريان سواء كانت الزوجة حرة أو أمة ، وسواء أسلمت أو لم تسلم إذا كانت كتابية ، كذلك قال البغوي وغيره ، وفي " الوسيط " ذكر الوجهين فيما إذا أسلمت الحرة ، وليس هو بقيد ، فاعلم ذلك .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية