الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        [ ص: 412 ] السابعة : قال : إن أعطيتني عبدا أو ثوبا فأنت طالق ، ووصفه بما يعتبر في السلم ، فأتت به بالصفة ، طلقت ، وملكه الزوج كما قلنا في الدراهم ، وإن أعطته على غير تلك الصفة ، لم تطلق ولا يملكه .

                                                                                                                                                                        فلو كان بالصفة لكنه معيب ، فله الخيار . فإن رده ، رجع بمهر المثل على الأظهر ، وبقيمته سليما في قول ، وليس له المطالبة بسليم بالصفة ، وفي كتاب الحناطي وجه أنه لا يرد العبد ، بل يأخذ أرش العيب وهو ضعيف .

                                                                                                                                                                        أما إذا قال : إن أعطيتني عبدا ولم يصف ، فأعطته عبدا لها ، طلقت لوجود الصفة ولا يملكه ؛ لأن الملك فيه يكون معاوضة ، والمجهول لا يكون عوضا ، فيجب مهر المثل قطعا .

                                                                                                                                                                        وحكى ابن كج والحناطي وجها ، أنه يقع الطلاق رجعيا ، ولا شيء عليها ، وإنما يلزمها العوض إذا ابتدأت فسألت طلاقا بعوض ، فقال في جوابها : إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطت ، والصحيح الأول ، وسواء إن أعطت سليما أو معيبا ، أو قنا أو مدبرا أو معلقا عتقه على صفة ، لوقوع اسم العبد عليه ، وإمكان نقله وتمليكه .

                                                                                                                                                                        فإن أعطته مكاتبا ، لم تطلق . وكذا لو قال لأجنبي : إن أعطيتني أمة ، فامرأتي طالق ، فأعطاه أم ولده .

                                                                                                                                                                        وأشير في المكاتب إلى وجه . ولو وصف العبد ولم يستوعب صفاته ، فهو كعدم الوصف في أن الرجوع إلى مهر المثل ، لكن لو أعطته عبدا بغير الصفة ، لم تطلق مثل أن يقول : إن أعطيتني عبدا تركيا ، فأعطته هنديا .

                                                                                                                                                                        ولو أتت بعبد مغصوب ، أو مشترك لها ولغيرها ، أو قال : إن أعطيتني ألف درهم ، فأتت بدراهم مغصوبة ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : يقع الطلاق ويرجع بمهر المثل .

                                                                                                                                                                        وأصحهما : لا يقع لأنه لا يسمى إعطاء ، وطرد الخلاف في العبد المرهون والمستأجر .

                                                                                                                                                                        قلت : يجري الخلاف في المستأجر إذا لم يجز بيعه ، وإلا فهو كغيره . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 413 ] ولو قال : إن أعطيتني هذا العبد المغصوب فأعطته ، وقع الطلاق بائنا على المذهب ، ويرجع بمهر المثل . وقيل : لا يقع ، وقيل : يقع رجعيا .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إن أعطيتني زق خمر أو خنزيرا ، فأنت طالق ، فقد سبق أنها إذا أتت به ، بانت ووجب مهر المثل . فإن أتت بخمر مغصوبة ، بأن كانت محترمة أو لذمي ، فإن قلنا في العبد المغصوب : يقع الطلاق ، فهنا أولى ، وإلا فوجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما : الوقوع ؛ لأن الإعطاء هنا مضاف إلى ما يتأتى تملكه . والثاني ، المنع ويحمل على ما يختص به يدا ، كما حمل لفظ العبد على ما اختصت به ملكا .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إن أعطيتني هذا الحر ، فثلاثة أوجه . أصحها : يقع الطلاق بائنا بمهر المثل .

                                                                                                                                                                        والثاني : لا يقع . والثالث : يقع رجعيا ؛ لأنه لا يملك بحال ، فالزوج لم يطمع بشيء . ولو قال : إن أعطيتني هذا العبد أو الثوب فأنت طالق ، فأعطته ، طلقت وملكه ، فإن خرج مستحقا أو مكاتبا ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : لا يقع الطلاق . وأصحهما : وقوعه للإشارة ، ويرجع بمهر المثل على الأظهر ، وبقيمته في قول .

                                                                                                                                                                        وإن وجده معيبا ، فله رده ، وفيما يرجع به القولان . أظهرهما : مهر المثل . والثاني : قيمته سليما .

                                                                                                                                                                        وقيل : ليس له الرد بل يرجع بالأرش ، والصحيح الأول . قال البغوي : ولو قال لزوجته الأمة : إن أعطيتني ثوبا فأنت طالق ، فأعطته ، لم تطلق لأنها لم تملكه فإن قال : هذا الثوب فأعطته طلقت ، وفيما يرجع به القولان .

                                                                                                                                                                        وهذا تفريع منه على المذهب في الثوب المطلق والمعين ، ولا يخفى مما تقدم أن الإعطاء في جميع صور المسألة ينبغي أن يقع في المجلس .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية