الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها : زعمهم أن القرآن العربي لم يتكلم الله به - وأطال في ذلك وبرهن عليه بما يطول هنا ذكره وقال بعد ذلك : وأول من قال هذا في الإسلام : عبد الله بن سعيد بن كلاب وجعل القرآن المنزل حكاية عن ذلك المعنى . فلما جاء الأشعري واتبع ابن كلاب في أكثر مقالته ناقشه على قوله " إن هذا حكاية عن ذلك " وقال : الحكاية تماثل المحكي . فهذا اللفظ يصح من المعتزلة ، لأن ذلك المخلوق حروف وأصوات عندهم . وحكاية مثله . وأما على أصل ابن كلاب فلا يصح أن يكون حكاية ، بل نقول : إنه عبارة عن المعنى . فأول من قال بالعبارة الأشعري . وكان الباقلاني فيما ذكر عنه : إذا درس مسألة القرآن يقول : هذا قول الأشعري .

ولم يبين صحته - أو كلاما هذا معناه - وكان الشيخ أبو حامد الإسفراييني يقول : مذهب الشافعي وسائر الأئمة في القرآن خلاف قول الأشعري . وقولهم : هو قول الإمام أحمد . وكذلك أبو محمد الجويني ، ذكر أن الأشعري خالف في مسألة الكلام قول الشافعي وغيره وأنه أخطأ في ذلك . وكذلك سائر أئمة أصحاب مالك والشافعي وغيرهما يذكرون قولهم في حد الكلام وأنواعه من الأمر والنهي والخبر العام والخاص وغير ذلك . ويجعلون الخلاف في ذلك مع الأشعري ، كما هو مبين في أصول الفقه التي صنفها أئمة أصحاب أبي حنيفة [ ص: 176 ] ومالك والشافعي وغيرهم ثم قال بعد ذلك : ومن قال من المعتزلة والكلابية : إن القرآن المنزل حكاية ذلك ، وظنوا أن المبلغ حاك لذلك الكلام . ولفظ الحكاية قد يراد به محاكاة الناس فيما يقولونه ويفعلونه اقتداء بهم وموافقة لهم ، فمن قال : إن القرآن حكاية كلام الله تعالى بهذا المعنى ، فقد غلط وضل ضلالا مبينا .

فإن القرآن لا يقدر الناس على أن يأتوا بمثله ، ولا يقدر أحد أن يأتي بما يحكيه .

وقد يراد بلفظ الحكاية النقل والتبليغ . كما يقال : فلان حكى عن فلان أنه قال كذا ، كما يقال عنه نقل عنه فهنا بمعنى التبليغ للمعنى . وقد يقال : حكى عنه أنه قال كذا وكذا ، لما قاله بلفظه ومعناه ، فالحكاية هنا بمعنى التبليغ للفظ والمعنى ، لكن يفرق بين أن يقول : حكيت كلامه على وجه المماثلة له ، وبين أن يقول : حكيت عنه كلامه ، وبلغت عنه أنه قال مثل قوله من غير تبليغ عنه . وقد يراد به المعنى الآخر ، وهو أنه بلغ عنه ما قاله . فإن أريد المعنى الأول ، جاز أن يقال : هذا حكاية كلام فلان ، وهذا مثل كلام فلان ، وليس هو مبلغا عنه كلامه ، وإن أريد به المعنى الثاني - وهو ما إذا حكى الإنسان عن غيره ما يقوله وبلغه عنه - فهنا يقال : هذا كلام فلان ، ولا يقال : هذا حكاية كلام فلان ، كما لا يقال هذا مثل كلام فلان . بل قد يقال : هذا كلام فلان بعينه ، بمعنى أنه لم يغيره ولم يحرف ولم يزد ولم ينقص . انتهى . قال الإمام أحمد رضي الله عنه القرآن كيف تصرف فهو غير مخلوق ، ولا نرى القول بالحكاية والعبارة .

وغلط من قال بهما وجهله . فقال : من قال إن القرآن عبارة عن كلام الله فقد غلط وجهل . وقال : الناسخ والمنسوخ في كتاب الله ، دون العبارة والحكاية .

وقال : هذه بدعة لم يقلها السلف . وقوله تعالى { تكليما } يبطل الحكاية . منه بدأ وإليه يعود . نقل ذلك ابن حمدان في نهاية المبتدئين . وقال شيخ الإسلام موفق الدين ابن قدامة في مصنف له : واعترض القائل بالكلام النفسي بوجوه : أحدها : قول الأخطل :

إن الكلام لفي الفؤاد

الثاني : سلمنا أن كلام الآدمي حرف وصوت ولكن كلام الله تعالى يخالفه ; لأنه صفته ، فلا تشبه صفته صفات الآدميين ، [ ص: 177 ] ولا كلامه كلامهم . الثالث : أن مذهبكم في الصفات أن لا تفسر . فكيف فسرتم كلام الله تعالى بما ذكرتم ؟ الرابع : أن الحروف لا تخرج إلا من مخارج وأدوات والصوت لا يكون إلا من جسم . والله تعالى يتعالى عن ذلك . الخامس : أن الحروف يدخلها التعاقب ، فالباء تسبق السين ، والسين تسبق الميم وكل مسبوق مخلوق . السادس : أن هذا يدخله التجزي والتعداد ، والقديم لا يتجزأ ولا يتعدد . قال شيخ الإسلام الموفق : الجواب عن الأول من وجوه . الأول : أن هذا كلام شاعر نصراني عدو الله ورسوله ودينه . فهل يجب إطراح كلام الله ورسوله وسائر الخلق تصحيحا لكلامه ، وحمل كلامهم على المجاز صيانة لكلمته هذه عن المجاز ؟ وأيضا : فتحتاجون إلى إثبات هذا الشعر ببيان إسناده ونقل الثقات له ، ولا نقنع بدعوى شهرته ، وقد يشتهر الفاسد . وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب إمام أهل العربية في زمانه يقول : قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة فلم أجد هذا البيت فيها . الثاني : لا نسلم أن لفظه هكذا ، وإنما قال : إن البيان لفي الفؤاد فحرفوه وقالوا : الكلام . الثالث : أن هذا مجاز أراد به أن الكلام من عقلاء الناس في الغالب إنما يكون بعد التروي فيه ، واستحضار معانيه في القلب ، كما قيل : لسان الحكيم من وراء قلبه . [ فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه ] فإن كان له قال ، وإن لم يكن له سكت ، وكلام الجاهل على طرف لسانه . والدليل على أن هذا مجاز من وجوه كثيرة . أحدها : ما ذكرنا ، وما تركناه أكثر مما ذكرنا مما يدل على أن الكلام هو النطق ، وحمله على حقيقته ، وحمل كلام الأخطل على مجازها أولى من العكس . الثاني : أن الحقيقة يستدل عليها بسبقها إلى الذهن وتبادر الأفهام إليها ، وإنما يفهم من إطلاق الكلام ما ذكرناه . الثالث : ترتيب الأحكام على ما ذكرناه دون ما ذكروه . الرابع : قول أهل العربية الذين هم أهل اللسان ، وهم أعرف بهذا الشأن . الخامس : من الاشتقاق الذي ذكرناه . السادس : لا تصح إضافة ما ذكروه إلى الله تعالى . فإنه جعل الكلام في الفؤاد . والله سبحانه وتعالى لا يوصف بذلك . وجعل اللسان دليلا عليه ، ولأن الذي عبر عنه الأخطل بالكلام هو [ ص: 178 ] التروي والفكر ، واستحضار المعاني ، وحديث النفس ووسوستها . ولا يجوز إضافة شيء من ذلك إلى الله تعالى بلا خلاف بين المسلمين . قال : ومن أعجب الأمور أن خصومنا ردوا على الله وعلى رسوله ، وخالفوا جميع الخلق من المسلمين وغيرهم فرارا من التشبيه على زعمهم ، ثم صاروا إلى تشبيه أقبح وأفحش من كل تشبيه .

وهذا نوع من التغفيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية