الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ويجب ) ( عمل بحمل صحابي ما رواه ) من حديث محتمل المعنيين ( على أحد محمليه ) ، ( تنافيا ) أي المحملان ( أو لا ) يعني أو لم يتنافيا . قال ابن مفلح : عندنا وعند عامة العلماء . إن هذه المسألة تعرف بما إذا قال راوي الحديث فيه شيئا . هل يقبل أو يعمل بالحديث ؟ ولها أحوال . منها : أن يكون الخبر عاما ، فيحمله الراوي على بعض أفراده ، ويأتي ذلك في تخصيص العام ، أو يدعي تقييدا في مطلق .

فكالعام يخصصه ، أو يدعي نسخه ويأتي في النسخ ، أو يخالفه بترك نص الحديث .

كرواية أبي هريرة في الولوغ سبعا . وقوله { يغسل ثلاثا } وبعضهم يمثل بذلك لتخصيص العام ، ولا يصح ; لأن العدد نص فيه . ومنها : مسألة الكتاب ، وهي أن يروي الصحابي خبرا محتملا لمعنيين ، ويحمله على أحدهما فإن تنافيا ، كالقرء ، يحمله الراوي على الأطهار مثلا . وجب الرجوع إلى حمله ، عملا بالظاهر . كما قاله أصحابنا ، وجمهور الشافعية . كالأستاذين أبي إسحاق وأبي منصور وابن فورك ، وإلكيا الهراسي وسليم الرازي ، ونقله أبو الطيب عن مذهب الشافعي . ولهذا رجع إلى تفسير ابن عمر رضي الله عنهما في التفرق في خيار المجلس بالأبدان ، وإلى تفسيره { حبل الحبلة } ببيعه إلى نتاج النتاج ، وإلى قول عمر رضي الله عنه في { هاء وهاء } أنه التقابض في مجلس العقد . وخالف أبو بكر الرازي من الحنفية . فقال : لا يعمل بحمل الصحابي . وقيل : يجتهد أولا . فإن لم يظهر له شيء وجب العمل بحمل الصحابي . وعن الإمام أحمد رضي الله عنه رواية ثانية : أنه يجب العمل بحمل التابعي أيضا .

وعند جمع وبعض الأئمة . وحيث علمت أن الصحيح وجوب العمل بحمل ما رواه الصحابي على أحد محمليه . فإنه يكون ( كما لو أجمع على جوازهما ) أي جواز كل من [ ص: 313 ] المحملين ( و ) أجمع أيضا على ( إرادة أحدهما ) كما في حديث ابن عمر في التفرق في خيار المجلس : هل هو التفرق بالأبدان ، أو بالأقوال ؟ فقد أجمعوا على أن المراد أحدهما فكان ما صار إليه الراوي أولى . قال ابن أبي هريرة " أحمله عليهما معا ، فأجعل لهما الخيار في الحالين بالخبر " قال الماوردي : هذا صحيح ، لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد أحدهما ( أو قاله ) أي وكما لو قاله الصحابي ( تفسيرا ) لمعنى الحديث . قال في شرح التحرير : واعلم أن الخلاف كما قال الهندي فيما إذا ذكر ذلك الراوي ، لا بطريق التفسير للفظه ، وإلا فتفسيره أولى بلا خلاف . انتهى . ومحل ذلك إذا كان الحمل أو التفسير على أحد معنييه الظاهرين ، أو الظاهر منهما . أما إذا حمله الصحابي بتفسيره ، أو بأن المراد منه غير ظاهره ، فإنه ( لا ) يقبل منه ما يذكره ( على غير ظاهره ) كما إذا حمل ما ظاهره الوجوب على الندب أو بالعكس ، أو ما هو حقيقة على المجاز ونحو ذلك . فإنه لا يلتفت إلى قوله ( وعمل ) في ذلك ( بالظاهر ولو كان قوله ) أي قول الصحابي ( حجة ) . في غير هذه الصورة . وعلى العمل بالظاهر في هذه الصورة أكثر الفقهاء . ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه : كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججتهم . وقيل : يعمل بقول الصحابي ، ويترك الظاهر . وحكي عن الإمام أحمد رضي الله عنه وأكثر الحنفية . لأن الصحابي لا يقول بما يخالف الظاهر إلا عن توقيف ، وللمالكية خلاف . واختار ابن عقيل والآمدي وأبو الحسين وعبد الجبار : يعمل بالظاهر إلا أن يعلم مأخذه ، ويكون صالحا ، وهو أظهر . قال ابن مفلح : لعله مراد من أطلق ( ولا يرد خبره ) أي خبر الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لمخالفته ما لا يحتمل تأويلا ) أي بسبب مخالفته نصا لا يحتمل التأويل في الأصح عندنا ( ولا ينسخ ) النص ، وقالته الشافعية ، لاحتمال نسيانه ، ثم لو عرف ناسخه لذكره ورواه ولو مرة لئلا يكون كاتما للعلم . كرواية أبي هريرة في { غسل الولوغ سبعا } وقوله { يغسل ثلاثا } وقالت الحنفية ، وهو رواية عن أحمد : لا يعمل بالخبر . وقال الآمدي : يتعين ظهور ناسخ عنده ، وقد لا يكون ناسخا عند غيره . فلا يترك النص باحتمال . [ ص: 314 ] وخالفه ابن الحاجب وقال في العمل بالنص نظر ، وقال إمام الحرمين وابن القشيري : إن تحققنا نسيانه للخبر أو فرضنا مخالفته لخبر لم يروه ، وجوزنا أنه لم يبلغه ، فالعمل بالخبر ، أو روى خبرا يقتضي رفع الحرج فيما سبق فيه حظر ، ثم رأيناه يتحرج فالعمل بالخبر أيضا

التالي السابق


الخدمات العلمية