الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( والمناسب ) هو الوصف المعلل به ، ولا بد أن يعلم من الشارع التفات إليه ، ويظهر ذلك بتقسيم المناسب . وهو ينقسم إلى أربعة أقسام : مؤثر ، وملائم ، وغريب ، ومرسل . وهو ثلاثة أنواع : مرسل ملائم ، ومرسل غريب ، ومرسل ثبت إلغاؤه ; لأن الوصف المناسب إما أن يعلم أن الشرع اعتبره ، أو يعلم أنه ألغاه ، أو لا يعلم أنه اعتبره ولا ألغاه . والمراد بالعلم هنا : ما هو أعم من اليقين والظن .

إذا تقرر هذا فالقسم الأول ( مؤثر إن اعتبر ) من قبل الشرع ( بنص ) كتعليل الحدث بمس الذكر ( أو ) اعتبر ب ( إجماع ) كتعليل ولاية المال بالصغر . فالأول : اعتبر عينه في عين الحكم ، وهو الحدث ، لحديث { من مس ذكره فليتوضأ } وأما الثاني : فإنه اعتبر عين الصغر في عين الولاية في المال بالإجماع . وسمي هذا القسم مؤثرا ; لحصول التأثير فيه عينا وجنسا ، فظهر تأثيره في الحكم ( و ) القسم الثاني ( ملائم إن اعتبر بترتب الحكم على الوصف فقط ، إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم ، أو بالعكس ، أو جنسه في جنس الحكم ) وسمي ملائما لكونه موافقا لما اعتبره الشارع ، وهو ثلاثة أنواع . مثال ما اعتبر الشارع عين الوصف في جنس الحكم من الملائم : امتزاج النسبين في الأخ من الأبوين ، اعتبر تقديمه على الأخ من الأب في الإرث ، وقسنا عليه تقديمه في ولاية النكاح وغيرها من الأحكام التي قدم عليه فيها ; فإنه - وإن لم يعتبره الشارع في غير هذه الأحكام - لكن اعتبره في جنسها ، وهو التقدم في الجملة .

ومثال ما اعتبر فيه جنس الوصف في عين الحكم ، عكس الذي قبله : منه المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط القضاء ، فإن الشارع اعتبرها في عين سقوط القضاء في الركعتين من الرباعية ، فسقط بها القضاء في صلاة الحائض قياسا ، وإنما جعل الوصف هنا جنسا ، والإسقاط [ ص: 525 ] نوعا ; لأن مشقة السفر نوع مخالف لمشقة الحيض . وأما السقوط : فأمر واحد ، وإن اختلفت محاله .

ومثال ما اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم منه : ما روي عن عمر رضي الله عنه في شارب الخمر أنه " إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، فيكون عليه حد المفتري " أي القاذف . ووافقه الصحابة عليه ، فأوجبوا حد القذف على الشارب ، لا لكونه شرب ، بل لكون الشرب مظنة القذف ، فأقاموه مقام القذف قياسا على إقامة الخلوة بالأجنبية مقام الوطء في التحريم ، لكون الخلوة مظنة له ، فظهر أن الشارع إنما اعتبر المظنة التي هي جنس لمظنة الوطء ، ومظنة القذف في الحكم الذي هو جنس لإيجاب حد القذف وحرمة الوطء .

وقال ابن مفلح وغيره : الأول كالتعليل بالصغر في قياس النكاح على المال في الولاية ، فإن الشرع اعتبر عين الصغر في عين ولاية المال به ، منبها على الصغر ، وثبت اعتبار عين الصغر في جنس حكم الولاية إجماعا . والثاني : كالتعليل بعذر الحرج في قياس الحضر بعذر المطر على السفر في الجمع . فجنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع إجماعا . والثالث : كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان في قياس المثقل على المحدد في القصاص ، فجنس الجناية معتبر في جنس قصاص النفس ; لاشتماله على قصاص النفس وغيرها كالأطراف . انتهى .

والقسم الثالث : الغريب ، وهو المشار إليه بقوله ( وإلا فغريب ) يعني وإن لم يعتبر ترتب الحكم على الوصف بنص أو إجماع ، فيسمى غريبا . مثال ذلك : التعليل بالإسكار في قياس النبيذ على الخمر بتقدير عدم نص بعلية الإسكار ، فعين الإسكار معتبر في عين التحريم بترتيب الحكم عليه فقط ، كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف . وهذا المثال دون ما قبله ; لرجحان النظر باعتبار الخصوص ، لكثرة ما به الاختصاص . قاله ابن مفلح والأصفهاني . وسمي غريبا ; لأنه لم يشهد له غير أصله بالاعتبار ، كالطعم في الربا ، فإن نوع الطعم مؤثر في حرمة الربا ، وليس جنسه مؤثرا في جنسه .

قاله البرماوي . وهذا التشبيه إنما يجري على قواعد من يقول : إن علة الربا الطعم . والله أعلم ( وكل ) قسم ( من ) هؤلاء الأقسام ( الثلاثة حجة ) ومنع أبو الخطاب والحنفية [ ص: 526 ] كون الغريب حجة ( وإن اعتبر الشارع جنسه ) أي جنس الوصف ( البعيد في جنس الحكم ف " مرسل ملائم " ) مثال ذلك : تعليل تحريم قليل الخمر بأنه يدعو إلى كثيرها . فجنسه البعيد معتبر في جنس الحكم ، كتحريم الخلوة بتحريم الزنا .

( وليس ) المرسل الملائم ( بحجة ) ، ( وإلا ) أي وإن لم يعتبر الشارع جنس الوصف البعيد في جنس الحكم فنوعان ، أحدهما : ما أشير إليه بقوله ( فمرسل غريب ) مثال ذلك : التعليل بالفعل المحرم لغرض فاسد في قياس بات الطلاق في مرضه على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض مقصوده ، فصار توريث المبتوتة كحرمان القاتل . وإنما كان " غريبا مرسلا " ; لأنه لم يعتبر الشارع عين الفعل المحرم لغرض فاسد في عين المعارضة بنقيض المقصود ، بترتيب الحكم عليه ، ولم يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس المعارضة بنقيض المقصود ولا جنسه في عينها ، ولا جنسه في جنسها ، والجمهور على منعه .

والنوع الثاني : ما أشير إليه بقوله ( أو مرسل ثبت إلغاؤه ) وهو الذي علم من الشارع إلغاؤه ، مع أنه مستحيل المناسبة ، ولا يجوز التعليل به . وذلك كإيجاب صوم شهرين ابتداء في الظهار ، أو الوطء في رمضان على من يسهل عليه العتق ، كما أفتى به يحيى بن يحيى بن كثير الليثي صاحب الإمام مالك إمام أهل الأندلس الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي ، المعروف بالمرتضى صاحب الأندلس ( وهما ) أي المرسل الغريب ، والمرسل الذي ثبت إلغاؤه ( مردودان ) أما الأول : فعند الجمهور . وأما الثاني : فبالاتفاق .

التالي السابق


الخدمات العلمية