الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3837 104 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز ، عن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مجوب عليه بحجفة له ، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول : انثرها لأبي طلحة . قال : ويشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف ; يصيبك سهم من سهام القوم ! نحري دون نحرك . [ ص: 151 ] ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر - بفتح الميمين - اسمه عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المعقد وهو شيخ مسلم أيضا ، وعبد الوارث بن سعيد ، وعبد العزيز بن صهيب ، وكل هؤلاء قد ذكروا غير مرة ، والحديث مضى في الجهاد في باب غزوة النساء وقتالهن مع الرجال ، ومضى في مناقب أبي طلحة مثل ما أخرجه هنا عن أبي معمر عن عبد الوارث إلى آخره نحوه .

                                                                                                                                                                                  قوله " وأبو طلحة " اسمه زيد بن سهل الأنصاري ، وهو زوج والدة أنس رضي الله تعالى عنهما ، وأنس حمل هذا الحديث عنه .

                                                                                                                                                                                  قوله " مجوب " بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة ، ومعناه مترس ، من الجوبة وهي الترس ، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس الذي يتخذ من الجلد ويسمى بالبدرقة .

                                                                                                                                                                                  قوله " شديد النزع " بفتح النون وسكون الزاي وبالعين المهملة ; أي في رمي السهم ، وتقدم في الجهاد من وجه آخر بلفظ " كان أبو طلحة حسن الرمي ، وكان يتترس مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بترس واحد .

                                                                                                                                                                                  قوله " بجعبة " بفتح الجيم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة ، وهي الكنانة التي يجعل فيها السهام ، وضبطه بعضهم بضم الجيم وما أراه إلا غلطا .

                                                                                                                                                                                  قوله " فيقول : انثرها " ; أي فيقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - انثر الجعبة التي فيها النبل لأجل أبي طلحة ، وانثر بضم الهمزة أمر من نثر - بالنون والثاء المثلثة - ينثر نثرا ، من باب نصر ينصر .

                                                                                                                                                                                  قوله " ويشرف " بضم الياء ، من الإشراف وهو الاطلاع إلى الشيء ، ويروى " وتشرف " على وزن تفعل .

                                                                                                                                                                                  قوله " ينظر " جملة حالية .

                                                                                                                                                                                  قوله " لا تشرف " من الإشراف أيضا ، وفي رواية أبي الوقت " لا تشرف " بفتح التاء والشين وتشديد الراء المفتوحة ، وأصله لا تتشرف بتاءين فحذفت إحداهما .

                                                                                                                                                                                  قوله " يصيبك " بالرفع والجزم ; أما الجزم فلأنه جواب النهي ، وأما الرفع فعلى تقدير فهو يصيبك ، ورواية أبي ذر الجزم على الأصل .

                                                                                                                                                                                  قوله " نحري دون نحرك " ; أي يصيب السهم نحري ولا يصيب نحرك ، وحاصله أفديك بنفسي ، وعائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم سليم والدة أنس بن مالك ، وفي اسمها اختلاف قد ذكرناه في الجهاد .

                                                                                                                                                                                  قوله " خدم سوقهما " بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة ، جمع خدمة وهي الخلاخيل ، والسوق بالضم جمع ساق .

                                                                                                                                                                                  قوله " تنقزان القرب " أي تحملانها وتنقزان بها وثبا ، يقال نقز وأنقز إذا وثب ، وقال ابن الأثير : وفي نصب القرب بعد ; لأن ينقز غير متعد ، وأوله بعضهم بعدم الجار ، ورواه بعضهم بضم التاء من أنقز فعداه بالهمزة يريد تحريك القرب ووثوبها بشدة العدو والوثب ، وروي برفع القرب على الابتداء ، والجملة في موضع الحال ، وقيل : معناه تنقلان . وقال الداودي : هو مثل تنقلان ، والذي ذكره أهل اللغة أن النقز بالنون والقاف والزاي الوثب ، فلعلهما كانتا تنهضان بالحمل وتنقزان ، وأنكره الخطابي وقال : إنما هو تنقزان أي تحملان .

                                                                                                                                                                                  قوله " في أفواه القوم " ، قال الداودي : الأفواه جمع في ، والفم لا جمع له من لفظه . قلت : الذي ذكره أهل اللغة أن أصل الفم فوه ، فأبدل من الواو ميم ، والجمع يرد الشيء إلى أصله ، كما أن إماء أصله موه ، فلذلك قالوا في جمعه أمواه .

                                                                                                                                                                                  قوله " من يدي أبي طلحة " ، وفي رواية الأصيلي " من يد أبي طلحة " بالإفراد ، ووقوع السيف كان لأجل النعاس الذي ألقى الله عليهم أمنة منه ، ووقع في رواية أبي معمر شيخ البخاري عند مسلم " من النعاس " صرح به وهو قوله تعالى : إذ يغشيكم النعاس أمنة




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية