الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
1673 - (إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض) (م) عن أبي هريرة (صح)

التالي السابق


(إن الله تعالى إذا أحب عبدا) أي رضي عنه وأراد به خيرا وهداه ووفقه (دعا جبريل) أي أذن له في القرب من حضرته (فقال) له (إني أحب فلانا فأحببه) أنت يا جبريل وهو بهمزة قطع مفتوحة فحاء مهملة ساكنة على الفك (فيحبه جبريل) فالضمير في نادى إلى الله تعالى يعني إذا أراد الله تعالى إظهار محبة عبد يعلمها أولا (ثم ينادي) أي جبريل (في السماء) أي في أهلها (فيقول إن الله) وفي رواية بدون يقول وعليها هو بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين وعند الكوفيين على أن في النداء معنى القول (يحب فلانا فأحبوه) بتشديد الموحدة أنتم (فيحبه أهل السماء) أي الملائكة (ثم يوضع له القبول في) أهل (الأرض) أي يحدث له في القلوب مودة ويزرع له فيها مهابة فتحبه القلوب وترضى عنه النفوس من غير تودد منه ولا تعرض للأسباب التي تكتسب لها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع وإنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة كما يقذف في قلوب أعدائه الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم ذكره الزمخشري. قال بعضهم: وفائدة ذلك أن يستغفر له أهل السماء والأرض وينشأ عندهم هيبة وإعزازهم له ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين قال العارف ابن عربي رضي الله تعالى عنه: وإذا وقع النداء بمحبته قبلته جميع البواطن وإن أنكرته الظواهر من بعض الناس فلأغراض قامت بهم وهم في هذا كسجودهم لله كل من في العالم ساجد وكثير من الناس ما قال كلهم وهكذا حال هذا العبد تحبه بقاع الأرض كلها وجميع ما فيها وكثير من الناس على أصلهم في السجود لله تعالى وفي تاريخ الخطيب في ترجمة خير النساج عنه إذا أحبك ذلك وعافاك وإذا أحببته أتعبك وأبلاك. قال ابن الأثير: والقبول بفتح القاف المحبة والرضى بالشيء وميل النفس إليه. قال الغزالي رضي الله تعالى عنه: لا تستبعد رضى الله عن العبد مما يغضب به على غيره ألا ترى إلى قول موسى عليه [ ص: 205 ] الصلاة والسلام إن هي إلا فتنتك ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب لكن من أقيم مقام الأنس يتلاطف ويحتمل ولم يحتمل من يونس عليه الصلاة والسلام ما دون ذلك لكونه أقيم مقام القبض والهيبة فعوقب بما عوقب به وذلك الاختلاف إما لاختلاف المقامات أو لما سبق في الأزل من التفاضل. وانظر كيف احتمل إخوة يوسف عليه السلام ما فعلوه بيوسف عليه السلام ولم يحتمل للعزيز كلمة واحدة سأل عنها في القدر وكان بلعم بن باعوراء من أكابر العلماء فأكل الدنيا بالدين فلم يحتمل له ذلك وكان آصف من المسرفين فعفا عنه أوحى الله إلىسليمان عليه الصلاة والسلام يا رأس العابدين ويا محجة الزاهدين إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف وأنا أحلم عنه لئن أخذته لأتركنه مثلة لمن معه ونكالا لمن بعده فخرج آصف حتى علا كثيبا ثم رفع رأسه وقال إلهي وسيدي أنت أنت وأنا أنا فكيف أتوب إن لم تتب علي وكيف أعتصم إن لم تعصمني فأوحى الله إليه صدقت يا آصف قد تبت عليك وأنا التواب الرحيم. قال الغزالي رضي الله عنه: هذا كلام مدل به عليه وهارب منه إليه فهذه سنة الله في عباده بالتقديم والتأخير على ما سبقت به المشيئة الأزلية (وإذا أبغض عبدا) أي أراد به شرا أو أبعده عن الهداية (دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه فيبغضه جبريل) يحتمل أن يريد عدم استغفاره له وعدم دعائه له ويحتمل إرادة المعنى الحقيقي وهو عدم الميل القلبي والنفرة منه (ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض) أي فيبغضه أهل الأرض جميعا فلا تميل إليه قلوبهم بل تميل عنه وينظرون إليه بعين النقص والإزراء وتسقط مهابته من النفوس وإعزازه من الصدور من غير صدور إيذاء منه لهم ولا جناية عليهم. وقيل: إن بغضه يلقى في الماء فلا يشربه أحد إلا أبغضه .

(تنبيه): قال في الحكم: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق العمل فيك ونسبه إليك لا نهاية لمذامك إذا أرجعك إليك ولا تفرغ مدابحك إن أظهر جوده عليك لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك ومحو دعاويك لم تصل إليه أبدا إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه ونعتك بنعته فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه

(م) في الأدب (عن أبي هريرة) زاد الطبراني ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيجعل لهم الرحمن ودا ورواه البخاري بدون ذكر البغضاء.




الخدمات العلمية