الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1463 [ 1360 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر; أن رجالا من أهل العراق قالوا له: إنا نبتاع من ثمر النخل والعنب فنعصره خمرا فنبيعها، فقال عبد الله: إني أشهد الله عليكم وملائكته ومن سمع من الجن والإنس، إني لا آمركم أن تبيعوها ولا تبتاعوها ولا تعصروها ولا تسقوها; فإنها رجس من علم الشيطان.

[ ص: 454 ]

التالي السابق


[ ص: 454 ] الشرح

أبو الجويرية: هو حطان بن خفاف بن زهير بن عبد الله بن رمح الجرمي، وجرم من اليمن.

روى عن: ابن عباس، ومعن بن يزيد السلمي. فروى عنه: الثوري، وابن عيينة، وزهير، وأبو عوانة، وغيرهم .

وحديث أبي الجويرية عن ابن عباس، رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري عنه، ورواه أبو خيثمة عن أبي الجويرية قال: قلت لابن عباس: أفتني رحمك الله في الباذق.

فقال: سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام.

قلت: أفتني رحمك الله في الباذق فإنا نشربه.

قال: سبق محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الباذق، ما أسكر فهو حرام.

فقال رجل من القوم: إنا نعمد إلى العنب فنعصره ثم نطبخه حتى يكون حلالا طيبا؟

قال: سبحان الله سبحان الله، اشرب الحلال الطيب، فإنه ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث .

وحديث ابن عمر "كل مسكر خمر" رواه مالك في أكثر الروايات عنه موقوفا، ورواه روح بن عبادة عن مالك مرفوعا ، وقد رواه مسلم [ ص: 455 ] في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم وغيره عن روح، ويروى أيضا مرفوعا من رواية أيوب وموسى بن عقبة وعبيد الله عن نافع مرفوعا، وروايتهم مخرجة في صحيح مسلم .

والباذق معرب: وهو الطلاء المطبوخ من عصير العنب.

وقوله: "سبق محمد - صلى الله عليه وسلم –" أي: سبق حكمه فيه بتحريمه كل مسكر وإنه مسكر، ويقال أن أول من صنع ذلك وسماه بنو أمية وقصدوا رفع اسم الخمر عنه، فيحتمل أن يريد أن تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمانه سبق هذه الصنعة وهذا الاسم، وفيه دليل على أن الطبخ لا يرفع تحريم السكر، وعلى أنه لا بأس بإسناد الظهر إلى البيت.

وقوله: "كل مسكر خمر" يجوز أن يريد أنه كالخمر في التحريم، وهذا قول من يخصص اسم الخمر بالمعتصر من العنب، ويجوز أن يريد وقوع اسم الخمر عليه، وهذا قول من لا يخصص ويسمي كل مسكر خمرا; لأنه يخامر العقل.

وفي "الصحيح" أن عمر رضي الله عنه قام خطيبا على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر: ما خامر العقل .

وعن النعمان بن بشير; أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من التمر خمرا، وإن من الزبيب خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن [ ص: 456 ] من العسل خمرا .

وما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنب" فقد ذكر أن المراد منه المعظم، فإن الغالب من عادات الناس اتخاذ الخمور منهما.

والأثر الأخير يشتمل على المبالغة في المنع من بيع الخمر وابتياعها وعصرها وسقيها، وقد روي عن ابن عباس أنه أتاه قوم فسألوه عن بيع الخمر فقال: أمسلمون أنتم؟

قالوا: نعم.

قال: فإنه لا يصلح بيعها وشراؤها ولا التجارة فيها لمسلم، إنما مثل من فعل ذلك منكم مثل بني إسرائيل، حرمت عليهم الشحوم فلم يأكلوها وباعوها فأكلوا ثمنها .




الخدمات العلمية