الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر بيعة المنتصر

قد ذكرنا قتل المتوكل ، ومن بايع المنتصر ( أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل ) تلك الليلة ، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد ، والكتاب ، والوجوه ، والشاكرية ، والجند ، وغيرهم ، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابا يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل ، فقتله به ، فبايع الناس ، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان ، فبايع وانصرف .

قيل : وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال : لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل ، كنا في الدار مع المنتصر ، فكان كلما خرج الفتح خرج معه ، وإذا رجع قام [ ص: 178 ] لقيامه ، وإذا ركب أخذ بركابه ، وسوى عليه ثيابه في سرجه .

وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوما في طريق المنتصر ، ليغتالوه عند انصرافه ، وكان المتوكل قد أسمعه ، وأحفظه ، ووثب عليه ، وانصرف غضبان ، وانصرفنا معه إلى داره ، وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ ، قال : فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر ، فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب . قال : فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال المنتصر ، فركبت في سلاح وعدة ، وجئت باب المنتصر ، فإذا هم يموجون ، وإذا واجن قد جاءه ، فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل ، فركب ، فلحقته في بعض الطريق وأنا مرعوب ، فرأى ما بي ، فقال : ليس عليك بأس ، أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات ، رحمه الله تعالى .

فشق علي ، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر ، ووكل بالأبواب ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ! لا ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت ، قال : أجل ، وكن أنت خلف ظهري ، فأحطنا به ، وبايعه من حضر ، وكل من جاء يوقف ، ( حتى جاء سعيد الكبير ، فأرسله خلف المؤيد ، وقال لي : امض أنت إلى المعتز ) حتى يحضر ، فأرسلني ، فمضيت وأنا آيس من نفسي ، ومعي غلامان لي ، فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحدا من الحرس والبوابين ، فصرت إلى الباب الكبير ، فدققته دقا عنيفا ، فأجبت بعد مدة : من أنت ؟ فقلت : رسول أمير المؤمنين ( المنتصر ) ، فمضى الرسول ، وأبطأ ، وخفت ، وضاقت علي الأرض ، ثم فتح الباب ، وخرج ( بيدون ) الخادم ، وأغلق الباب ، ثم سألني عن الخبر ، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه ، فمات من ساعته ، وأن الناس قد اجتمعوا ، وبايعوا المنتصر ، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع .

فدخل ، ثم خرج ، فأدخلني على المعتز ، فقال لي : ويلك ما الخبر ؟ فأخبرته ، وعزيته ، وبكيت ، وقلت : تحضر ، وتكون في أول من يبايع ، وتأخذ بقلب أخيك ، فقال : [ ص: 179 ] حتى يصبح ، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب ، وسرنا وأنا أحدثه ، فسألني عن عبيد الله بن يحيى ، فقلت : هو يأخذ البيعة على الناس ، والفتح قد بايع ، فأيس ، وأتينا باب الخير ، ففتح لنا ، وصرنا إلى المنتصر ، فلما رآه قربه ، وعانقه ، وعزاه ، وأخذ البيعة عليه .

ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد ، ففعل به مثل ذلك ، فأصبح الناس ، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح .

ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخوزة ، وهي المدينة التي كان بناها المتوكل ، وفي أهل سامرا ، بقتل المتوكل ، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية ، وغيرهم من الغوغاء والعامة ، وكثر الناس ، وتسامعوا ، وركب بعضهم بعضا ، وتكلموا في أمر البيعة ، فخرج إليهم عتاب بن عتاب ، وقيل : زرافة ، فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر ، فاسمعوه ، فدخل عليه فأعلمه ، فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من المغاربة ، فصاح بهم ، وقال : خذوهم ! فدفعوهم إلى الأبواب ، فازدحم الناس وركب بعضهم بعضا ، فتفرقوا وقد مات منهم ستة أنفس .

التالي السابق


الخدمات العلمية