الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما إذا اشترى ثوبا فصبغه لم يكن للبائع حق في صبغه قولا واحدا ؛ لأن الصبغ عين جاوزت الثوب وحلت فيه ، وإذا كان كذلك لم يخل حال الصبغ من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : أن يكون البائع قد اشتراه منه مع الثوب .

                                                                                                                                            والثاني : أن يكون لأجنبي قد اشتراه منه .

                                                                                                                                            [ ص: 306 ] والثالث : أن يكون لنفسه ، فإن كان قد اشترى الصبغ من بائع الثوب ، مثاله : أن يشتري ثوبا يساوي عشرة وصبغا يساوي عشرة فلا يخلو حال الثوب مصبوغا من ثلاثة أحوال :

                                                                                                                                            أحدها : إما أن تكون قيمته لم تزد على قيمة الثوب والصبغ ، أو تكون قد زادت ، أو تكون قد نقصت ، فإن كانت قيمته لم تزد ولم تنقص وكان يساوي بعد الصبغ عشرين درهما فالعمل قد صار مستهلكا ، وللبائع أن يرجع بثوبه مصبوغا ، وإن كانت قد نقصت قيمته بعد الصبغ فصار يساوي خمسة عشر فالعمل قد صار مستهلكا وقد نقص الثوب والصبغ نقصا لا يتميز ، فيكون للبائع الخيار في أن يأخذه مصبوغا بجمع الثمنين وذلك عشرين درهما ، أو يضرب مع الغرماء بها ، فإن كان قد زادت قيمته مصبوغا فصار يساوي بعد الصبغ ثلاثين درهما ، فإن قلنا : إن العمل يجري مجرى الآثار دون الأعيان كان للبائع أن يرجع به زائدا ولا حق للمفلس فيه ، وإن قلنا : إن العمل يجري مجرى الأعيان كانت الزيادة للمفلس يشارك البائع بها في الثوب فيصير شريكا في ثلث الثوب والبائع شريكا في ثلثي الثوب ، وإن كان الصبغ لآخر غير بائع الثوب لم يخل حال الثوب بعد الصبغ من أن يكون قد زاد أو نقص أو لم يزد ولم ينقص ، وإن كان لم يزد ولم ينقص وذلك بأن يكون قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة فصارت قيمته مصبوغا عشرين فالعمل مستهلك وبائع الثوب وبائع الصبغ نظيران شريكان فيه نصفين ، فبائع الثوب شريك بنصفه ، وإن نقصت قيمته فصار بعد الصبغ يساوي خمسة عشر فهذا النقصان قدره خمسة وهو داخل على الصبغ دون الثوب ، لأن عين الثوب لم تنقص ، ولأن عين الصبغ تبع للثوب بدخوله عليه ، فيقال لصاحب الصبغ : قد نقص عين مالك نقصا لا يتميز ، فإن اخترت الرجوع به ناقصا صرت شريكا للبائع بثلث ثمنه ولا شيء لك غيره ، وإن لم تختر ضربت مع الغرماء بثمن صبغك ، وكان المفلس شريكا لبائع الثوب بثلث ثمنه ، وبيع الثوب مصبوغا في حقها ، وإن زادت قيمة الثوب مصبوغا فصار يساوي ثلاثين درهما ، فإن قيل : إن العمل يجري مجرى الآثار فلا حق للمفلس في هذه الزيادة ويكون الثوب بين بائع الثوب وبائع الصبغ نصفين ، فتعود الزيادة عليهما ، وإن قيل : إن العمل يجري مجرى الأعيان كانت الزيادة للمفلس وصار شريكا بها في الثوب ، فيصير بائع الثوب شريكا في ثلثه وبائع الصبغ شريكا في ثلثه والمفلس شريكا في ثلثه ، وإن كان الصبغ للمفلس إن كانت قيمة الثوب لم تزد ولم تنقص بأن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وقيمته مصبوغا عشرين فهما شريكان فيه لكل واحد منهما نصفه ، وإن كانت قيمته قد نقصت فصار يساوي بعد الصبغ خمسة عشر فالنقص داخل على المفلس مالك الصبغ لما ذكرنا ، ويصير شريكا في الثوب بالثلث ، وإن كانت قيمته قد زادت فصار يساوي مصبوغا ثلاثين ، فإن قيل : إن العمل يجري مجرى الآثار فالزيادة بينهما ويكونان في الثوب شريكين لكل واحد منهما النصف ، وإن قيل : إن العمل جار مجرى الأعيان [ ص: 307 ] فالزيادة للمفلس بحق عمله ويصير شريكا في الثوب ، وصار شريكا في الثوب فيصير بائع الثوب شريكا في ثلثه وبائع الصبغ شريكا في ثلثه والمفلس شريكا في ثلثه ، وكان الصبغ للمفلس فإن كانت قيمة الثوب لم تزد ولم تنقص ، فإن كانت قيمة الثوب عشرة وقيمة الصبغ عشرة وقيمته مصبوغا عشرين فهما شريكان فيه لكل واحد منهما نصفه ، وإن كانت قيمته قد نقصت فصارت تساوي بعد الصبغ خمسة عشر فالقصر داخل على المفلس مالك الصبغ لما ذكرنا ويصير شريكا في الثوب بالثلث ، وإن كانت قيمته قد زادت فصار يساوي مصبوغا بثلاثين فإن قيل : إن العمل يجري مجرى الآثار فزيادتها بينهما فيكونان في الثوب شريكين لكل واحد منهما النصف ، وإن قيل : إن العمل يجري مجرى الأعيان فالزيادة للمفلس بحق عمله بثمن الصبغ وبالزيادة ويكون ثلثا الثمن للمفلس وثلثه للبائع .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية