الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإذا حجر الإمام عليه لسفهه وإفساده ماله أشهد على ذلك " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح ، لأن حجر السفه لا يثبت إلا بحكم حاكم بخلاف حجر الصغر والجنون ، لأن ثبوت السفه يكون باجتهاد فلم يثبت إلا بحكم حاكم ، والصغر والجنون لا اجتهاد فيه وهو بالنص ، فثبت بغير حكم ، وسواء كان للسفيه أب وأم ، فإذا ثبت عند الحاكم من سفهه ما يستحق به الحجر عليه حجر عليه .

                                                                                                                                            وحجر السفه أعم من حجر الفلس ، لأن حجر الفلس يختص بماله دون عقوده التي لا تعلق لها بماله ، وحجر السفه عام في جميع عقوده ، فيقول في السفه : قد حجرت على فلان ، بخلاف الفلس في الوجهين الماضيين ؛ لأن لفظ الحجر أعم .

                                                                                                                                            فإذا حجر عليه قولا على ما مضى أشهد على نفسه بالحجر عليه ، وهل ذلك شرط في ثبوت الحجر عليه أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا يفتقر إلى الشهادة لأن الحجر حكم ، وثبوت الحكم لا يفتقر إلى الإشهاد كسائر الأحكام .

                                                                                                                                            والوجه الثاني وبه قال أبو علي بن أبي هريرة : أن الحجر لا يصح إلا بالإشهاد عليه ؛ لأن المقصود بالحجر إظهار منعه من التصرف في ماله ليتحفظ الناس من معاملته ، وهذا المعنى لا يحصل إلا بالإشهاد .

                                                                                                                                            فعلى هذا لا يتم الحجر قبل الإشهاد ، ويكون جائز التصرف ، فإذا أشهد فقد تم الحجر .

                                                                                                                                            ويختار له بعد الإشهاد أن ينادي في الناس بإيقاع الحجر عليه ليكون أشهر لأمره .

                                                                                                                                            [ ص: 359 ] فإن لم يناد فيهم بالحجر عليه جاز وكان تصرفه بعد الإشهاد مردودا ، وسواء أظهر الشاهدان ذلك أو كتماه ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية