الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1061 142 - ( حدثنا قتيبة قال: حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ). [ ص: 156 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 156 ] مطابقته للترجمة ظاهرة وهو بعينه الحديث المذكور فيما قبل هذا الباب، غير أنه أخرج هناك عن حسان الواسطي عن المفضل بن فضالة وهنا عن قتيبة بن سعيد عن المفضل إلى آخره نحوه، ولم يذكر في الطريقين العصر، والمحفوظ عن عقيل الراوي في الكتب المشهورة، هكذا بدون ذكر العصر، وقال بعضهم: ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من منع جمع التقديم، انتهى.

                                                                                                                                                                                  ( قلت ): لا نسلم أن مقتضى الحديث ما ذكره، بل مقتضاه الذي يقتضيه التركيب أنه لا يجمع إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس، بل يصلي الظهر في وقته، ثم يركب ولا يصلي العصر عقيب الظهر، بل يصلي العصر بعد ذلك في وقته ; لأن الأصول تقتضي ذلك كذلك، وعن هذا حكي عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم.

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ): روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري " عن أنس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم ارتحل " قال النووي : وإسناده صحيح. ( قلت ): أبو داود أنكره على إسحاق ، وأخرجه الإسماعيلي وأعله بتفرد إسحاق عن شبابة ، وشبابة وإن كان من رجال الجماعة ولكنه يدعو إلى الإرجاء، قاله زكريا بن يحيى الساجي ، وقال محمد بن سعد : كان ثقة صالح الأمر في الحديث وكان مرجئا، وقال بعضهم: وهذا ليس بقادح يعني تفرد إسحاق عن شبابة فإنه إمام حافظ، وقد وقع نظيره في الأربعين للحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصاغاني عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب " عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب ". ( قلت ): في ثبوت هذه الزيادة نظر، ألا ترى أن الحاكم لم يورده في مستدركه مع شهرته في تساهله في التصحيح، والبخاري مع تتبعه في أشياء على الحنفية لم يذكر هذه الزيادة.

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ): له طريق آخر رواه الطبراني في الأوسط حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن سندر الأصبهاني حدثنا هارون بن عبد الله الجمال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا محمد بن سعدان حدثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل " عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - كان إذا كان في سفر فزاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر جميعا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس جمع بينهما في أول العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء " وقال: تفرد به يعقوب بن محمد . ( قلت ): قال أحمد : يعقوب بن محمد ليس يسوى شيئا، وقال أبو زرعة : واهي الحديث، وقال صالح حزره عن ابن معين ، أحاديثه تشبه أحاديث الواقدي .

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ): في الباب عن ابن عباس ، أخرجه أحمد ولفظه " كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب " الحديث، ورواه الشافعي والبيهقي أيضا. ( قلت ): في سنده حسين بن عبد الله وهو ضعيف جدا، وقد ذكرناه، وقال بعضهم: والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ( قلت ): لفظ أبي داود حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله الرملي الهمداني حدثنا المفضل بن فضالة والليث بن سعد عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل " عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك إن غاب الشفق قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما ".

                                                                                                                                                                                  ( قلت ): أنكر أبو داود هذا الحديث، وهشام بن سعد ضعفه يحيى بن معين ، وقال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أحمد : لم يكن بالحافظ، وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس ، وأبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة .

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ): روى أبو داود أيضا قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة " عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب . ( قلت ): قال أبو داود : لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، يعني تفرد به، ولهذا قال الترمذي : حديث حسن غريب [ ص: 157 ] تفرد به قتيبة ، لا يعرف أحد رواه عن الليث غيره، وذكر أن المعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير ، وقال أبو سعيد بن يونس الحافظ : لم يحدث به إلا قتيبة ، ويقال: إنه غلط، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب أبو الزبير ، وذكر الحاكم أن الحديث موضوع وقتيبة بن سعيد ثقة مأمون، وحكي عن البخاري أنه قال: قلت لقتيبة بن سعيد مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل فقال: كتبته مع خالد المدائني ، قال البخاري : وكان خالد المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ. انتهى.

                                                                                                                                                                                  وخالد المدائني هذا هو أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني متروك الحديث، وقال ابن عدي : له عن الليث بن سعد غير حديث منكر، والليث بريء من رواية خالد عنه تلك الأحاديث.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية