الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " ولو أسلمن معه ، فقال : لا أختار ، حبس حتى يختار ، وأنفق عليهن من ماله : لأنه مانع لهن بعقد متقدم ، ولا يطلق عليه السلطان كما يطلق على المولي ، فإن امتنع مع الحبس ، عزر وحبس حتى يختار ، وإن مات ، أمرناهن أن يعتددن الآخر من أربعة أشهر وعشر ، أو من ثلاث حيض ، ويوقف لهن الميراث حتى يصطلحن فيه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وصورتها في مشرك أسلم وأسلم معه ثماني زوجات ، فعليه أن يختار منهن أربعا : لئلا يصير جامعا بين ثمان ، فإن توقف عن الاختيار ، سأله الحاكم عن توقفه وأمره بتعجيل اختياره : لأن لا يستديم ما حظره الشرع في الجمع ، فإن سأل إنظاره ليفكر في اختياره ويرتئي في أحظهن له ، أنظره ما قل من الزمان الذي يصح فيه فكره ، وهل يجوز أن يبلغ بإنظاره ثلاثة أيام أم لا ؟ على قولين ، كالإنظار للمولي والمرتد ، فإذا اختار بعد الإنظار ، فهو مخير بين أن يختار أربعا ، فيكون اختياره لهن فسخا لمن عداهن ، وبين أن يفسخ نكاح أربع ، فيكون فسخه اختيارا لنكاح من عداهن ، إلا أن يكون الباقيات بعد فسخ نكاح الأربع أكثر من أربع كأنهن عشر ، فيحتاج بعد فسخ الأربع أن يختار من الست أربعا ، أو يفسخ منهن نكاح اثنين ، فيثبت نكاح الأربع .

                                                                                                                                            واختياره وفسخه بالقول ، فاختياره قولا أن يقول : قد اخترت نكاحها ، أو قد اخترت إمساكها ، أو قد اخترت حبسها ، فإن قال : قد اخترتها ، صح ، فكذلك لو قال : قد أمسكتها : لأن الله تعالى يقول : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ البقرة : 229 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان : " أمسك أربعا " وإن قال : قد حبستها لم يصح اختياره : لاحتماله ، ولأن الشرع لم يأت به ، وإن قال : قد ردتها لم يصح اختيارها لاحتمال أن يكون [ ص: 284 ] ردها إلى أهلها ، أو ردها إلى نفسه ، فلو أراد به الاختيار لم يصح : لأن الاختيار يجري مجرى عقد النكاح الذي لا يصح إلا بالتصريح دون الكناية .

                                                                                                                                            وفسخه قولان : أن يقول : قد فسخت نكاحها ، أو قد رفعت نكاحها ، أو قد أنزلت نكاحها ، فكل ذلك فسخ صريح : لأنها ألفاظ مشتركة المعاني ، ولو قال قد صرفتها أو أبعدتها كان كناية يرجع إلى إرادته فيه ، فإن أراد به الفسخ صح : لأن الفسخ يجري مجرى الطلاق الذي صح بالتصريح وبالكناية ، فلو قال قد حرمتها كان كناية يحتمل الفسخ ، ويحتمل الطلاق ، فإن أراد به الطلاق كان اختيارا ، وإن أراد به الفسخ كان فسخا ، وإن لم يكن له إرادة لم يكن طلاقا ، وهل يكون فسخا أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يكون فسخا : لأن المفسوخ نكاحها محرمة .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : لا يكون فسخا لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الكناية إذا تجردت عن نية لم يتعلق بها حكم .

                                                                                                                                            والثاني : أنه حكم ثبت بعد الفسخ ، فاقتضى أن يتقدمه ما يقع به الفسخ ، فلو قال : قد فارقتها كان فسخا ، ولو قال : قد طلقتها كان اختيارا .

                                                                                                                                            والفرق بينهما - وإن كانا صريحين في طلاق الزوجات - أن الطلاق لا يقع إلا على زوجة ، فلذلك جعلنه اختيارا ، والفراق قد يقع على زوجته ، فيكون طلاقا ، وعلى غير زوجته ، فيكون إبعادا ، فلذلك جعل فسخا ، فلو قال : أردت بالفراق الطلاق ، قبل منه وصار اختيارا وطلاقا ، ولو قال : أردت بالطلاق الفسخ لم يقبل منه : لأن الطلاق لا يصح إلا على زوجته ، والفسخ لا يكون هاهنا إلا بغير زوجته ، فأما إذا قال : قد سرحتها ، كان كالفراق فسخا : لأنه أشبه بمعناه ، فإن أراد به الطلاق صار اختيارا كالفراق ، فأما إذا ظاهر منها ، أو آلى ، لم تكن اختيارا ولا فسخا : لأن الظهار والإيلاء قد تخاطب به الزوجة وغير الزوجة ، وإن لم يستقر حكمها إلا في زوجته ، وإذا لم يكن الظهار في الحال اختيارا ولا فسخا ، نظر في التي ظاهر منها وآلى : فإن اختار فسخ نكاحها سقط حكم ظهاره وإيلائه ، وإن اختار جنس نكاحها ثبت ظهاره وإيلاؤه منها : لأنها كانت زوجته وقت ظهاره وإيلائه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية