الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
قال : ( وكل وديعة كانت عند أحدهما فهي عندهما جميعا ) ; لأنهما بعقد المفاوضة صار الشخص واحدا فيما يلتزمه كل واحد منهما بسبب هو من صنيع التجارة . ويقول : الوديعة من جملة ذلك ، فإن مات المستودع قبل أن يبين لزمهما جميعا ; لأن المودع إذا مات مجهلا للوديعة يصير متملكا للوديعة . فهذا ضمان ما أوجب بتملك أحدهما ما يحتمل الشركة ، فيكون ملزما صاحبه . ( فإن قيل ) : وجوب هذا الضمان بعد الموت ، ولا مفاوضة بينهما بعد الموت . ( قلنا ) : لا كذلك ولكنه لما أشرف على الموت ، وقد عجز عن البيان قد تحقق التجهيل ، وصار ذلك دينا عليه قبل موته . فإن قال الحي : ضاعت في يد الميت قبل موته ; لم يصدق لأنه لا عقد بينهما بعد موت أحدهما ، وإنما يجعل قول أحدهما كقول صاحبه بسبب العقد القائم بينهما . ولأن المودع بنفسه بعد ما صار ضامنا بالجحود ، ولو زعم أنه كان هلك في يده لم يصدق . فكذلك قول شريكه في ذلك ; لأن قول المرء مقبول فيما هو أمين فيه لنفي الضمان عنه . فأما في إسقاط الضمان الواجب عليه غير مقبول . وإن كان الحي هو المستودع صدق ; لأنه ما صار متملكا ولا ضامنا للوديعة ما دام حيا بعد موت شريكه فإنه قادر على ما التزمه . فلهذا كان قوله مقبولا . ( فإن قيل ) : أليس أن كل واحد منهما فيما يلزمهما مقبول الوديعة مثل صاحبه ؟ ( قلنا ) : نعم ، ولكن التمليك عند الموت باعتبار اليد ; لأن الأيدي المجهولة عند الموت تنقلب يد ملك ، الوديعة في يد المودع حقيقة لا في يد شريكه .

( وإن قال : أكلتها قبل موت صاحبي لزمه الضمان خاصة ، ولم يصدق على صاحبه ) ; لأن وجوب الضمان عليه بإقراره ، وعند الإقرار لا مفاوضة بينهما ، وهو في الانتهاء غير مصدق في حق صاحبه إلا أن [ ص: 191 ] يقيم البينة أنه أنفقها في حياة الميت . والثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ; فيكون عليهما ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - " وعند أبي يوسف " هو عليه خاصة . وأصل المسألة إذا وجب على أحدهما ضمان بغصب أو استهلاك مال : " فعند أبي يوسف رحمه الله " هذا نظير أرش الجناية ; لأنه واجب بسبب ليس بتجارة ، ولأنه بدل المستهلك ، والمستهلك لا يحتمل الشركة . وهما قالا : ضمان الغصب الاستهلاك ضمان تجارة بدليل صحة إقرار المأذون به وكونه مؤاخذا به في الحال ; وهذا لأنه بدل مال محتمل للشركة ، وإنما يجب بأصل السبب . وعند ذلك المحل قابل للملك ، ولهذا ملك المغصوب والمستهلك بالضمان .

التالي السابق


الخدمات العلمية