الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( وإذا ) قال : بعثت بها إليك مع أجنبي : فهو ضامن حتى يقر المودع بوصولها إليه " عندنا " . ( قال ) ابن أبي ليلى رحمه الله : لا ضمان عليه ، وهذا بناء على أن " عنده " للمودع أن يودع غيره ; لأنه يحفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله ، وقد يودع الإنسان مال نفسه من أجنبي ، فكذلك له أن يودع الوديعة من غيره ; فلا يصير ضامنا بالدفع إلى غيره ليحفظ ، أو يرد - كما في حق من في عياله - " وعندنا " : ليس للمودع أن يودع غيره ; لأن الحفظ يتفاوت فيه الناس ، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره ، فإذا [ ص: 114 ] دفع إلى أجنبي ، فقد صار تاركا للحفظ الذي التزمه ، مستحفظا عليه من استحفظ منه ; فيكون ضامنا ، بخلاف من في عياله : فإن المودع هو الحافظ له بيد من في عياله ; لأن من في عياله في يده ، فما في يد من في عياله كذلك .

فأما إذا دفع إلى أجنبي : لا يكون هو حافظا له ، بل الأجنبي هو الحافظ له ، والمودع لم يرض بهذا ; فيكون ضامنا حتى يقر المودع بوصولها إليه ، فإذا أقر بذلك برئ عن الضمان بوصول المال إلى يد صاحبه - كما يبرأ الغاصب بوصول المغصوب إلى يد صاحبه - . وكذلك العارية - في جميع ذلك - ; لأنها أمانة كالوديعة . وفي هذا بيان أن المستعير ليس له أن يودع أجنبيا كالمودع ، وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله : له ذلك ; لأن للمستعير أن يعير فيما لا تتفاوت الناس في الانتفاع به . وفي الإعارة إيداع وزيادة ، ولكن الأول أصح ; لأن المستعير " عندنا " مالك للمنفعة ، فإعاراته من الغير تصرف فيما هو مملوك له - وهو المنفعة - ثم يتعدى تسليمه إلى العين حكما ; لتصرفه في ملك نفسه ، فلا يكون موجبا للضمان عليه .

فأما إيداعه من الغير فهو تصرف في العين ، ولا حق له في العين ، فيكون موجبا للضمان عليه كالإيداع من المودع .

التالي السابق


الخدمات العلمية