الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( و ) مبدؤها ( في النكاح الفاسد ) بعد التفريق من القاضي بينهما ، ثم لو وطئها حد جوهرة وغيرها ، وقيده في البحر بحثا بكونه بعد العدة لعدم الحد بوطء المعتدة ( أو ) المتاركة . [ ص: 523 ] أي ( إظهار العزم ) من الزوج ( على ترك وطئها ) بأن يقول بلسانه : تركتك بلا وطء ونحوه ، ومنه الطلاق وإنكار النكاح لو بحضرتها وإلا لا ، لا مجرد العزم لو مدخولة وإلا فيكفي تفرق الأبدان . والخلوة في النكاح الفاسد لا توجب العدة ، والطلاق فيه لا ينقص عدد الطلاق لأنه فسخ جوهرة . ولا تعتد في بيت الزوج بزازية .

التالي السابق


( قوله : ومبدؤها في النكاح الفاسد بعد التفريق إلخ ) وقال زفر : من آخر الوطآت لأن الوطء هو السبب الموجب .

ولنا أن السبب الموجب للعدة شبهة النكاح ورفع هذه الشبهة بالتفريق ، ألا ترى أنه لو وطئها قبل التفريق لا يجب الحد وبعده يجب ، فلا تصير شارعة في العدة ما لم ترتفع الشبهة بالتفريق كما في الكافي وغيره . ا هـ . سائحاني .

قلت : ولم أر من صرح بمبدإ العدة في الوطء بشبهة بلا عقد . وينبغي أن يكون من آخر الوطآت عند زوال الشبهة ، بأن علم أنها غير زوجته ، وأنها لا تحل له إذ لا عقد هنا فلم يبق سبب للعدة سوى الوطء المذكور كما يعلم مما ذكرنا ، والله أعلم ( قوله : بعد التفريق من القاضي ) أي عقبه ، وهذا إذا كان في زمان يصلح لابتدائها فلا يشكل بما إذا فرق في الحيض فإنه يعتبر ابتداؤها بعده إذ لا بد من ثلاث حيض أفاده القهستاني ، والمراد بالتفريق أن يحكم القاضي به بينهما كما في البحر عن العناية تأمل ( قوله : وقيده في البحر بحثا إلخ ) أقول : لو كان مرادهم وجوب الحد إذا كان الوطء بعد العدة لم يبق لذكره فائدة ، إذ هذا حكم النكاح الصحيح فيعلم منه الفاسد بالأولى ، وقد نازعه العلامة المقدسي بقوله : وقد يقال : هذه العدة تخالف غيرها في هذا الحكم لأنها أثر نكاح فاسد كما خالفته في أنها لا تعتد في بيت الزوج . ا هـ . وأيضا فقد رده السائحاني بأن هذا البحث - وإن تابعه عليه غير واحد - فيه غفلة عن فهم تعليل المسألة ، وهو ما مر في الرد على زفر من ارتفاع الشبهة بالتفريق إلخ أي فلم يبق بعد التفريق ما يندرئ به الحد . ورده الرحمتي أيضا بما حاصله أن درء الحد قبل التفريق بشبهة العقد ، والعدة بعده تكون شبهة الشبهة وهي غير معتبرة ، بخلاف عدة الثلاث في النكاح الصحيح إذا ظن الحل فإنها شبهة الفعل لأنها محبوسة في بيته ، ونفقته دارة عليها وهنا لا نفقة ولا احتباس . ا هـ . [ ص: 523 ] قلت : لكن يشكل عليه ما صرح به في البحر وغيره من أنه لو تزوج فاسدا أخت امرأته تحرم عليه امرأته إلى انقضاء العدة ، وهذا يدل على بقاء أثر هذا النكاح بالنسبة إليه . وقد يجاب بأن بقاء أثره بالعدة لا يمنع كون وطئه فيها زنا به ، كما لو وطئ معتدته من الثلاث عالما بحرمتها فإنه زنا يحد به مع بقاء أثر النكاح قطعا ( قوله : من الزوج ) قيد به لأن ظاهر كلامهم أنها لا تكون من المرأة .

قال في البحر : ورجحنا في باب المهر أنها تكون من المرأة أيضا ، ولذا ذكر مسكين من صورها أن تقول : فارقتك . ا هـ . ورجحه باتفاقهم على أن لكل منهما فسخ هذا النكاح ، والفسخ متاركة ا هـ .

قال في النهر : وقدمنا ما يدفعه ا هـ أي ذكر هناك أن المتاركة في معنى الطلاق فيختص بها الزوج . ا هـ . ورده الخير الرملي بأنه لا طلاق في النكاح الفاسد ، وتقدم تمامه هناك وأن المقدسي تابع البحر ( قوله : ونحوه ) بالنصب عطف على قوله " تركتك " أي كخليت سبيلك ، أو فارقتك ( قوله : ومنه ) أي من النحو ، أو من الإظهار ( قوله : لا مجرد العزم ) بالرفع عطفا على الطلاق ، أو بالجر عطفا على إظهار العزم قصد به التنبيه على ما في الكنز وغيره من قوله " أو العزم " على ترك وطئها وأنه على تقدير مضاف أي إظهار العزم كما عبر المصنف تبعا لابن كمال ، لما في العناية أن العزم أمر باطن لا يطلع عليه وله دليل ظاهر وهو الإخبار به ( قوله : وإلا فيكفي تفرق الأبدان ) أي مع العزم على تركها .

قال في البحر من المهر : وأما غير المدخول بها فتتحقق المتاركة بالقول ، وبالترك عند بعضهم وهو تركها على قصد أن لا يعود إليها ، وعند البعض لا تكون المتاركة إلا بالقول فيهما ( قوله : والخلوة في النكاح الفاسد ) أي سواء كانت صحيحة ، أو فاسدة ح . وفيه أنها لا تكون إلا فاسدة لأنه ممنوع شرعا عن وطئها كالخلوة بالحائض ، لكن المراد فسادها بغير فساد النكاح بأن كان ثم مانع آخر ( قوله : لا توجب العدة ) أي ولا المهر وإنما يجبان بحقيقة الوطء ( قوله : ولا تعتد في بيت الزوج ) لأنها في حال قيام العقد لا حق له عليها في احتباسها في بيته فبعده أولى لكن سيأتي في الفصل الآتي خلافه ، فما هنا أحد قولين ، ويأتي تمامه . [ تتمة ] :

ذكر في البحر أنه قدم في النكاح الفاسد من باب المهر أن المراد بهذه العدة عدة المتاركة ، فلا عدة عليها بموته إلا الحيض بعد الدخول وأنه لا حداد ولا نفقة فيها ، وأنه تحرم عليه امرأته لو تزوج أختها فاسدا إلى انقضاء العدة ، وأن وجوبها في القضاء . أما في الديانة لو علمت أنها حاضت بعد آخر وطء ثلاثا حل لها التزوج بلا تفريق ونحوه ، وأن الأرجح عدم اشتراط علمها بالمتاركة .




الخدمات العلمية