الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1501 [ 1820 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزرقي، عن أبيه، عن علقمة بن نضلة أن أبا سفيان بن حرب قام بفناء داره فضرب برجله، وقال: سنام الأرض [إن] لها سناما، زعم ابن فرقد الأسلمي أني لا أعرف حقي من حقه، لي بياض المروة وله سوادها، ولي ما بين كذا إلى كذا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: ليس لأحد إلا ما أحاطت عليه جدرانه، إن إحياء الموات ما يكون زرعا أو حفرا أو يحاط بالجدران، وهو مثل إبطاله التحجير بغير ما يعمر به مثل ما يحجر .

التالي السابق


الشرح

علقمة: هو ابن نضلة بن عبد الرحمن بن علقمة الكناني.

روى عنه: عثمان بن أبي سليمان .

وأبو سفيان: هو صخر بن حرب بن أمية الأموي القرشي، والد معاوية من مشاهير قريش في الجاهلية والإسلام.

روى عنه: ابن عباس.

يقال: إنه مات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين [ ص: 329 ] .

وحديث مالك قد سبق مرة، وروى يحيى بن آدم عن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله وزاد: وقال هشام: العرق الظالم أن يأتي مال غيره فيحفر فيه .

وروى أبو داود الحديث مسندا عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى البخاري في "الصحيح" عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها" قال عروة: [قضى] بذلك عمر بن الخطاب في خلافته.

وحديث طاوس مرسل أيضا، ورواية سفيان عن طاوس مرسلة أيضا، ورواه قبيصة عن سفيان عن ابن طاوس، وليث عن طاوس عن ابن عباس موقوفا عليه ، ورواه معاوية بن هشام موصولا مرفوعا فقال: ثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "موتان الأرض لله ولرسوله فمن أحيا شيئا منها فهو له" [ ص: 330 ] .

وفي الأحاديث دلالة على أن الموات تملك بالإحياء، وإطلاقها يقتضي ثبوت الملك وإن لم يأذن السلطان، خلافا لأبي حنيفة على ما قدمنا، وذكر أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ثم هي لكم مني خطاب مع المسلمين، واستدل به على أن الذمي لا يمكن من الإحياء في دار الإسلام، وبينه ما في بعض الروايات: "موتان الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني أيها المسلمون" .

وقوله: "ليس لعرق ظالم حق" قد فسره هشام، والمقصود أن يحفر في أرض غيره بغير إذنه فيغرس أو يزرع؛ فلصاحب الأرض قلع غراسه وزرعه، وتفسيره يبين أن اللفظ: "لعرق ظالم" على النعت؛ سماه ظالما لأن صاحبه ظلم، ويمكن أن يقرأ على الإضافة.

وقوله: عادي الأرض يقال للشيء القديم: عادي نسبة إلى عاد الأولى.

وإذا ملك الموات بالإحياء ملك ما حواليه بقدر ما يحتاج إليه للانتفاع بالمحيا، فليس لغيره التصرف فيه بالإحياء وغيره، وما جاوز ذلك فليس لمعمور ولا محتاج إليه في الانتفاع بالمعمور المحيا فيبقى على ما كان، ولذلك أنكر عمر -رضي الله عنه- على أبي سفيان قوله: "لي ما بين كذا إلى كذا" وكأنه كان قد [أحيا] مواتا وابن فرقد أحيا مواتا آخر قريبا منه فظن اتساع ملكيهما وتجاوزهما.

وقوله: "إن أحياء الموات ما يكون زرعا أو حفرا ويحاط بالجدارات" مقصوده أن الإحياء إنما يحصل بالعمارة ويختلف باختلاف [ ص: 331 ] مقصود المحيي، فإن انحدر دارا فلا بد من التحويط والتسقيف، وإن قصد الزراعة فلا بد من جمع التراب محيطا بالأرض ومن الحراثة، وإن قصد بستانا فلا بد من التحويط وشق النهر والغراس، وعلى هذا القياس.

قال أبو بكر البيهقي الحافظ: وقوله: "إن إحياء الموات ... إلى آخره" أظنه من كلام الشافعي، فقد رواه الحميدي عن عبد الرحمن بن الحسن ولم يذكره .

وأما قوله: "وهو مثل إبطاله التحجير بغير ما يعمر به مثل ما يحجر" فلا شبهة أنه من كلام الشافعي، وأراد أن التحجير لا يفيد الملك، وإذا لم يعمر الموضع عمارة تليق بمثل ما حجر له يبطل تحجيره.

وقوله: "مثل ما يحجر" يمكن أن يجعل فعلا مستقبلا من التحجير، أي: مثل ما يحجر له ويقصده من دار وبستان، وغيرهما، ويمكن أن يقرأ: مثل ما تحجر والتحجير والتحجر متقاربان، وكأنه أشار بذلك إلى ما روي عن يحيى ابن آدم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان الناس يتحجرون على عهد عمر -رضي الله عنه-، فقال عمر: من أحيا أرضا مواتا فهي له.

قال مالك: كأنه لم يجعلها له بالتحجير حتى يحييها [ ص: 332 ] .

وعن ابن أبي نجيح عن عمرو بن شعيب أن عمر -رضي الله عنه- جعل التحجير ثلاث سنين، فإن تركها حتى يمضي ثلاث سنين فأحياها غيره فهو أحق بها .




الخدمات العلمية