الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
109 الأصل

[ 1459 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: [قالت] فاطمة بنت أبي حبيش [ ص: 69 ] لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة [فاتركي] الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي .
.

التالي السابق


الشرح

فاطمة بنت أبي حبيش من الصحابيات، تعرف بهذا الحديث .

وهو صحيح أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام، وأبو داود عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة وقال: فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق"، ورواه سفيان بن عيينة وحماد بن زيد وعبد العزيز بن محمد وأبو معاوية وجرير بن عبد الحميد وجماعة عن هشام وقالوا: "فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". ورواه أبو أسامة عن هشام وقال: "إذا أدبرت فاغتسلي وصلي".

ومهما جاوز دم المرأة أكثر الحيض وهو مميزه بأن يرى بعض الدم قويا وبعضه ضعيف فإنها تتحيض في أيام القوي وتدع الصلاة [ ص: 70 ] والصوم، وتستحاض في أيام الضعيف فتغتسل [كلما] ضعف الدم وتصوم وتصلي وتحتاط للنجاسة، وإنما يؤخذ بالتمييز إذا كان الدم القوي لا ينقص عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره وإذا كان الضعيف لا ينقص عن أكثر الحيض، فإن فقد أحد هذه الشروط فالحكم كما إذا لم يكن لها تمييز أصلا، واعتمد في العمل بالتمييز على حديث فاطمة وقالوا: إنها كانت مميزة، ألا ترى أنه قال: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغسلي عنك الدم وصلي" وإقبال الدم: قوته، وإدباره: ضعفه، وأيضا فإنه قال: "إن دم الحيض أسود يعرف" وأيضا فقد روي أنه قال: "إن لدم الحيض دفعات وإن له رائحة، فإذا كان ذلك فدعي الصلاة وإذا كان الآخر فاغتسلي وصلي" .

وروى البخاري في "الصحيح" عن أحمد بن أبي رجاء عن أبي أسامة عن هشام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي" وهذا يدل على أنها كانت معتادة، لكن الروايات السابقة أشهر ورواتها أكثر فهي أولى بالترجيح، وأيضا فقد روى محمد بن كرامة الكوفي وهارون بن عبد الله عن أبي أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ولكن دعي الصلاة الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي أو كما قال" وهذه اللفظة تشعر بضرب شك وتردد، وأيضا فقد روي عن أبي أسامة موافقة الجماعة، [ ص: 71 ] وجمع الشيخ أبو محمد الجويني بين الروايات الدالة على أنها كانت مميزة وبين الرواية الدالة على أنها كانت معتادة فقال: كأنها في ابتداء استحاضتها لم تكن مهتدية إلى التمييز.

وقوله: "إنما ذلك عرق " أي: ليس هو بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم، وإنما هو علة حدثت من تصدع العروق.

وقوله: "فإذا ذهب قدرها" أي: قدر الحيضة بإدبار الدم وضعفه، وعلى الرواية الدالة على أن فاطمة كانت معتادة قوله: "فإذا ذهب قدرها" أي: قدر الحيضة المعتادة، وقوله: "فإذا أقبلت الحيضة " أي: الحيضة المعتادة، وإذا انقطعت الحيضة وصارت المرأة مستحاضة احتاجت إلى الاغتسال وإزالة النجاسة بقدر الإمكان، ورواية من روى: "فاغسلي عنك الدم" ورواية من روى: "فاغتسلي وصلي" واقعتان في موضعهما.




الخدمات العلمية