الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1615 الأصل

[ 1473 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى عبد الله بن عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " "من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله عن قتله".

قيل: يا رسول الله وما حقها؟

قال: "أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها فيرمي بها ".
.

[ ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن أبي يحيى، عن جعفر، [ ص: 92 ] عن أبيه، عن علي بن حسين قال: لا والله ما سمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عينا، ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم .

التالي السابق


الشرح

صهيب مولى ابن عامر، يقال له: الحذاء.

وعرف بروايته عن عبد الله بن عمرو، ورواية عمرو بن دينار عنه .

واحتج الشافعي بحديث العصفور على أنه يحرم قتل ما له روح سواء كان لنا أو لهم إلا بأن يذبح فيؤكل، وبه قال الأوزاعي وأحمد، ويدل عليه ما روي عن أبي بكر أنه بعث جيشا إلى الشام فقال في وصيته: لا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ونهى في هذه الوصية عن قطع الأشجار وتحريقها أيضا .

لكن تركناه لما سبق من الحديث، ولذي الروح من الحرمة ما ليس لغيره من الأموال، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن عقر الدابة إذا هي قامت.

وعن قبيصة أن فرسه قام عليه بأرض الروم فتركه ونهى عن عقره.

وجوز أبو حنيفة ومالك إتلافها؛ لئلا يظفر بها العدو، وروي أن جعفر بن أبي طالب اقتحم له شقراء في غزاة مؤتة فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل [ ص: 93 ] .

وتوقف الشافعي في ثبوت ذلك من جهة النقل، وربما لم يبلغ النهي جعفرا - رضي الله عنه -.

وأما ما ذكر علي بن حسين فقد ورد النهي عن المثلة بالروايات الصحيحة، وروى أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فاجتووها، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربون من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم واستاقوا ذود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في إثرهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا" .

فأخذ علي بن الحسين بالنهي عن المثلة وأنكر ما رواه أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - سمل أعينهم، لكن حديث أنس صحيح عند علماء الحديث، وروى مثله ابن عمر، ثم الإشكال باق في قطع اليد والرجل وقد سلمه علي بن الحسين، ولكن الأقرب فيه أحد وجهين:

أولهما: ما روي عن ابن سيرين أنه كان ذلك قبل أن تنزل الحدود وتستقر العقوبات.

وثانيهما: أنهم كانوا قد فعلوا بالرعاة من القطع والسمل مثل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم، ويروى هذا عن قتادة وغيره.

وقوله: "فاجتووها" أي: كرهوها لما أصابهم بها من المرض.

وقوله: "سمل أعينهم" أي: كحلها بالمسامير المحماة، ويروى سمر بالراء، وثقل بعضهم الميم من "سمر" [ ص: 94 ] .

الفصل




الخدمات العلمية