الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

الفكر المنهجي عند المحدثين

الدكتور / همام عبد الرحيم سعيد

منهجية قرآنية عامة

أكرم الله تعالى هـذا الإنسان بأن أنزل عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فصبغ هـذا الكتاب الحياة بصبغته، ونظم شئونها وفق أحكامه، وقد سار هـذا التنظيم في مسارين متلازمين في العقيدة والشريعة، وتتناول العقيدة -فيما تتناول- التصور والتصديق، وتأخذ على عاتقها إنشاء الأسس الفكرية، وإرساء المنهج الرشيد القائم على المحاكمة والاختبار، وهذه المنهجية منضبطة في أصولها ومساراتها وأحكامها، وترتبط جزئياتها بكلياتها، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يخرج عليها إلا إذا تنازل عن دواعي العقل ومنطق الرشد، ولقد حقق القرآن الكريم هـذه المنهجية في أوسع مجالاتها وأوضح صورها، وأطلق القرآن -بهديه وجدله- العقل الإنساني من إساره، وحرره من هـيمنة الجمود والتبعية والتقليد ، فبينما كان الإنسان قبل الإسلام رهين الأساطير والخرافات والأوهام ، وقد أغلقت عليه الأساطير جميع المنافذ والأبواب، وأحكمت قبضتها على خناقه، وعمت أرجاء الأرض حتى لم يسلم منها شعب من الشعوب، وإنسجاما مع سلطان الأسطورة ظن العرب -في بداية الأمر- أن القرآن الكريم ضرب من هـذه الأساطير، قال الله تعالى: ( وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ) [الفرقان:5]، وقال حاكيا مقالتهم: ( لقد وعدنا هـذا نحن [ ص: 20 ] وآباؤنا من قبل إن هـذا إلا أساطير الأولين ) [النمل:68]، وقال تعالى: ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) [القلم:15].

الأسطورة خيال كاذب، وخرافة باطلة، والقرآن نور وهدى ومنهج وفرقان ورحمة وصدق وشفاء لما في الصدور، ولقد حارب القرآن الكريم الأسطورة والخرافة ، وحارب الكذب والوهم, وحذر من نتائج الخطأ والنسيان، وطالب بالبرهان والدليل والبينة والشاهد ، وشرع في إقامة منهج التثبت والصدق؛ لأنه أساس تقوم عليه العقيدة الصحيحة والشريعة الصالحة،

قال الله تعالى: ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى * أم للإنسان ما تمنى ) [النجم: 23-24]ـ وقال تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) [الإسراء:36]،

وطالب بإقامة البينة على كل دعوى، فطالب المشركين بإثبات مدعاهم قائلا: ( ائتوني بكتاب من قبل هـذا أو أثارة من علم ) [الأحقاف:4].

وحذر القرآن الكريم من خبر الفاسق الذي لا يلتزم بمبدأ الصدق والتثبت، فقال: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [الحجرات:6]،

ودعا العرب إلى التفكر والنظر والتدبر، والتماس الشواهد والقرائن، ومحاكمة المقولات السابقة، والابتعاد عن التقليد الأعمى، وكان يقول لهم: ( نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ) [الأنعام: 143]،

ويقول: ( قل هـاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [ ص: 21 ] [البقرة: 111]، وكان يقرر أن أولئك الجاحدين المنكرين إنما يفترون على الله الكذب،

قال الله تعالى : ( ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) [المائدة:103].

هذه الآيات وغيرها كثير بل القرآن الكريم بمجموعه وجه العقل البشري إلى أهمية البحث والنظر، وطلب عدم إلقاء الأذن إلى كل قول، وظهرت آثار هـذه الدعوة المنهجية في جميع جوانب الحياة الإسلامية حتى اتبع هـذا المنهج في كتابة القرآن الكريم وجمعه وتدوينه، ولقد ظهرت هـذه المنهجية في أجلى صورها في الحديث النبوي الشريف، بسبب ما دعت إليه الحاجة من رواية السنن وجمعها ونقدها وتصنيفها.

واستغرق هـذا الجهد المنهجي مدة طويلة -بل لم تنته هـذه الفترة – لا سيما وأن معظم السنن جاءت من طرق آحاد من الصحابة، ولم تنقل كما نقل القرآن الكريم - بالتواتر - وتعرض بعضها لأوهام الرواة وخطئهم ونسيانهم، ومن هـنا كانت الحاجة ماسة إلى تمحيص الحديث وتنقيته مما علق به، ولقد شعر المسلمون أن هـذه فريضة من فرائض الدين ولا يجوز تعبدهم بخبر واه أو بخبر مختلق مصنوع، وليتمكنوا من القيام بهذه الفريضة شرع لهم في حال نقدهم وبحثهم ما لم يشرع لهم في حال سائر حياتهم من نقد الرواة والكلام فيهم والطعن عليهم، إذ هـذا الأمر -خارج البحث في الحديث- غيبة مذمومة، ومعصية مرذولة، قال حماد بن زيد : [كلمنا شعبة بن الحجاج أنا وعباد بن عباد وجرير بن حازم في رجل، وقلنا: لو كففت عن ذكره، فكأنه لان، وأجابنا، ثم مضيت يوما أريد الجمعة فإذا شعبة ينادي من خلفي، فقال: ذاك الذي [ ص: 22 ] قلت لكم فيه لا يسعني] [1] ، وفي حادثة أخرى: قيل لشعبة بن الحجاج : [يا أبا بسطام، لو كففت عن نقد الرجال، فقال: أجلوني حتى أنظر الليلة فيما بيني وبين خالقي، هـل يسعني ذلك؟ قال: فلما كان من الغد خرج علينا على حمير له، فقال: قد نظرت فيما بيني وبين خالقي فلا يسعني إلا أن أبين أمورهم للناس، والسلام] [2] ، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن المبارك أنه قال: [ المعلى بن هـلال هـو، إلا أنه إذا جاء الحديث يكذب، فقال له بعض الصوفية ، يا أبا عبد الرحمن: تغتاب؟ فقال: اسكت، إذا لم نبين، كيف يعرف الحق من الباطل؟ أو نحو هـذا من الكلام] [3] ، وعن يحيى بن سعيد قال: [سألت شعبة وسفيان ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظه، قالوا: بين أمره للناس] [4] .

فهولاء العلماء الأعلام بينوا عذر المحدثين في القدح والطعن في الرواة، لما في ذلك من مصلحة للإسلام وحرص على شرعه، وقد تناول الإمام مسلم مسألة ذكر أخطاء الرواة وبيان أوهامهم، فقال في مقدمة كتابه "التمييز": (فإنك -يرحمك الله- ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم: هـذا حديث خطأ، وهذا حديث صحيح، وفلان يخطىء في روايته حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت أنهم استعظموا ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب [ ص: 23 ] الصالحين من السلف الماضين حتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ رواياتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به، ومدع علم غيب لا يوصل إليه) [5] ، ثم يواصل كلامه حول نقد الرجال وبيان أوهام العلماء قائلا: (ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ، ومراتبهم فيه فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا- إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه وإتقانه) [6]

وبينما يقرر الإسلام بمبادئه العامة براءة المسلم باعتبارها الحالة الأصلية فلا يتعلق شيء بذمته إلا بدليل فإن هـذا المسلم لا يكون بريئا عند المحدث إذا روى حديثا إلا إذا ثبتت عدالته، وتحققت براءته، حتى مستور الحال، وهو الذي عرفت عدالته في الظاهر ولم تعرف في الباطن أي عرف بانتسابه للإسلام ولكن أخلاقه وتصرفاته ليست معروفة عند العلماء، فمثل هـذا لا تدخل رواياته في الصحيح عند جمهور العلماء.

وبذلك يتبين لنا أن منهج المحدثين هـو منهج قرآني مستمد من القرآن والسنة، وأنه منهج تاريخي نقدي ، أي أنه منهج لا يسلم بالنص دون محاكمة ونقد، ولا يكفي أن يصدر النص عن عالم أو شخص له احترامه حتى يقبل، بل لا بد أن تثبت نسبة النص إلى قائله، وأن ينظر فيه نظرة ثاقبة فاحصة لمعرفة اتفاقه مع الأسس الثابتة والمبادئ العامة، ولقد غاب هـذا المنهج التاريخي النقدي عن التوراة والإنجيل، وغاب عن سائر [ ص: 24 ] التواريخ قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام ليمنح العالم أجمع هـذا المنهج المسئول القائم على البحث والاستقصاء والتفكير السليم، وقد جعل " شارل جنيبير " منهج النقد التاريخي مقابلا للمنهج الإيماني النصراني الذي يأخذ الروايات عن السابقين دون مناقشة ومحاكمة.

لقد أغفل كثير من الباحثين هـذه العلاقة المنهجية بين القرآن الكريم وعلوم الحديث، حتى تسرب إلى الأذهان أن منهجية المحدثين نوع من العبقرية الفذة، وأنها نشأت من الحاجة وحدها، والحق الذي لا مرية فيه أن منهجية المحدثين منهجية قرآنية، وأنها مظهر من مظاهر إعجاز هـذا الدين، وكما حفظ الله كتابه الكريم من كل تبديل أوتغيير، فقد حفظ السنة بمجموعها، وصانها من الاندثار والنسيان. [ ص: 25 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية