الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        51 - ثبوت الاختيار يستدعي تقديم إثبات الإجماع على منكريه ، وتحقيق الغرض فيه صعب المدرك متوعر المسلك على من لا يدريه ، ومن يحاوره قبل الاستيثاق بما ينحيه عن ظلمات التيه ، عسر عليه تلافيه ، ولا بد من رمزة إلى وجه الإشكال والإعضال في صيغة السؤال ، ثم نعطف عليه الانفصال ، متضمنا ثلج الصدر على الكمال .

        [ ص: 44 ] 52 - فإن قيل : لا يدل على وجوب اتباع الإجماع مسالك العقول ، فإن الرب تعالى موصوف بالاقتدار على جمع العالمين على الباطل على اضطرار ، وعلى خيرة وإيثار ، وإذا كان ذلك مسوغا في العقل غير مستحيل ، وليس في العقل على القضاء بصدق المجمعين دليل ، وليس إلى درك ذلك من طرق المعقولات سبيل ، وليس في كتاب الله نص في إثبات الإجماع لا يقبل التأويل ، وليس على الظواهر القابلة للتأويلات في القطعيات تعويل ، ولا مطمع في إثبات الإجماع بخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ; فإنه لم يتواتر عنه نص في الإجماع يدرأ المعاذير ، ويقطع التجويز والتقدير ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " نقله معدودون محددون ، معرضون لإمكان الهفوات والزلات ، على أنه يتطرق إليه سبيل التأويلات ; فلا يبعد أن يقال : المعني بقوله - عليه السلام - : ( لا تجتمع أمتي على الضلالة ) أنها لا تنسلخ عن الإيمان ملابسة عماية الجهالة ، فيكون مضمون هذه المقالة الإشعار بأمان الأمة عن المنقلب إلى الكفر والردة ، وإن تطاولت المدة .

        53 - فإذا لم نجد مسلكا في إثبات الإجماع معقولا ، وأصلا [ ص: 45 ] مقطوعا به في السمع منقولا ، فما مستند اليقين والقطع بثبوت الإجماع في وضع الشرع ؟ وعليه مدار معظم الأحكام في الفرق والجمع وإليه استناد المقاييس والعبر ، وبه اعتضاد الاستنباط في طرق الفكر ، فقد عظم الخطر ، وتفاقم الغرر ، وهذا مضلة الأنام ، ومزلة الأقدام ، ومتاهة الخواص والعوام ، ومعرفة الغواص والعوام ، وما انتهى المهرة إلى مساق هذا الإشكال ومذاق هذا الإعضال ; فضلا عن المطمع في الانفصال .

        54 - فأنا أستعين بالله تعالى ، وعليه الاتكال ، فأقول : إذا صادفنا علماء الأمة مجمعين على حكم من الأحكام ، متفقين على قضية في تفاصيل الحلال والحرام ، وألفيناهم قاطعين على جزم وتصميم ، في تحليل أو تحريم ، وهم الجم الغفير ، والجمع الكثير ، وعلمنا بارتجال الأذهان أنهم ما تواطئوا على الكذب على عمد ، وما تواضعوا على الافتراء عن قصد ، وهم متبددون في الأقطار ، متشتتون في الأمصار ، مع تنائي الديار ، وتقاصي المزار ، لا يجمعهم رابط على وطر من الأوطار ، ثم كرت الدهور ، ومرت العصور ، وهم مجمعون على قطع مسدد ، من غير رأي مردد . والأحكام [ ص: 46 ] في تفاصيل المسائل لا ترشد إليها العقول ، فنتبين أنه حملهم على اتفاقهم قاطع شرعي ، ومقتضى جازم سمعي ، ولولاه ، لاستحال أن يقطعوا في مظنات الظنون ، ثم يتفقوا من غير سبب جامع يحملهم على التواضع على الكذب ، ثم يستمروا على ذلك ، مع امتداد الآماد على استتباب ، واطراد . هذا محال وقوعه في مستقر الاعتياد .

        55 - وإنما يتضح حقيقة هذه الطريقة بأسئلة وأجوبة عنها . فإن قيل : نرى أهل مذهب في الشرع يبلغ عددهم المبلغ الذي وصفتموه ، ولا يجوز من مثلهم التواضع كما عرفتموه ، ثم هم مصممون على معتقدهم ، ولو قطعوا مثلا لا يبغون عنه حولا ، ثم لا يدل إجماعهم على القطع بأن مذهبهم الحق ، ومعتقدهم الصدق ، قلنا هؤلاء وإن طبقوا طبق الأرض ، ذات الطول والعرض ، فهم معترفون بأنهم ظانون ، معتصمون بأساليب الظنون ، ولا يقطعون بأن خصومهم مبطلون ، ولا يبعد في مطرد العادات اجتماع أقوام على فنون من طرائق الظنون ، ومتابعتهم مسلكا مخصوصا .

        [ ص: 47 ] فأما الاجتماع من مثل هذا العدد على دعوى القطع ، مع الاتفاق على أنه متلقى من السمع ، من غير إسناد إلى قاطع في الشرع ، فهذا مستحيل على الضرورة ، لا يجوزه ذو تحصيل ، وكيف يجوز ذهول علماء الأمة عن اعتراض الظنون الهاجسة في النفوس ، الخاطرة في أدراج الفكر والحدوس ؟ ، حتى يحسبوا المظنون في الشرع معلوما ، والمشكوك فيه مقطوعا به مفهوما ، ويتفقوا على القطع من غير معنى يوجب القطع . هذا يكون تجويزه هجوما على جحد الضروريات ، واقتحاما لورطات الجهالات ، وخرقا لموجب العادات ، فأما أن يغلب على ظنون جمع أمر عن قول رجل ظاهر العدالة ، مستقيم الحالة ، مع علمهم بأنهم ظانون ، فليس ذلك بدعا عرفا وشرعا ، وإنما المستحيل الاتفاق على العلم في السمعيات ، والإطباق على ادعاء اليقين في الشرعيات ، من غير اطلاع على قاطع يقتضي الإجماع من عدد لا يجوز منهم التواطؤ والتواضع .

        56 - فإن قيل : قصارى هذا الانفصال عما توجه من السؤال ، أن الذين ينتحلون مذهب الإمام لا يدعون علما ، وإنما غايتهم [ ص: 48 ] غلبة ظن ، صدرها عن ترجيح وتلويح ، ونحن الآن نلزمكم ما لا تجدون إلى درئه سبيلا .

        57 - فنقول : النصارى وغيرهم من الكفار مصممون على فاسد عقدهم دينا ، ولو صب عليهم صنوف العذاب صبا ، ما ازدادوا في معتقدهم إلا نضالا وذبا ، ولو اعتمد أضعفهم منة فنشر بالمنشار لما آثر نكولا ورجوعا ، وهم مطبقون أن عقدهم اليقين المبين ، والدين المتين ، وعددهم يبر على عدد المسلمين بأضعاف مضعفة ، وخطة الإسلام بالإضافة إلى ديار الكفار كالشامة البيضاء في مسك ثور أسود .

        58 - وهذا سؤال عظيم الوقع في الإجماع الواجب الاتباع في الشرع ، ولا يحل معوصه إلا موفق ، بل لا ينتهي إلى غائلة السؤال إلا محقق ، وليس يليق الانتهاء إلى هذه المعاصات في التحقيق بمقدار غرضنا في ذكر أحكام الإمامة ، ولكن صادفت نشطة وهزة إلى المجلس الأسمى ، ووافقت بسطة ، فأرخيت فضل [ ص: 49 ] عناني ، وأطلت عذبة لساني ، وانتهيت إلى مأزق ومضايق في مدارج الحقائق ، يتوعر فيها العطن ، ويتحير فيها الفطن ، ويضيق فيها نطاق النطق ، ويعسر فيها لحاق الحق ، ويتخايل فيها القرح عن شأو السبق ، ولكن المستعين بالله موفق ، والمتبري عن حوله وقوته بالصواب مستنطق ، وحق على كل من له في مشرع الشرع مكرع ، وفي رتع الدين مرتع ، إذا انتهى إلى هذا المقام ، وأفضى به النظر إلى سر هذا الكلام ، أن يعلم أنه دفع إلى خطب عظيم من الخطوب الجسام ; فإن الإجماع مناط الأحكام ، ونظام الإسلام ، وقطب الدين ، ومعتصم المسلمين ، ومعظم مسائل الشريعة ينقسم إلى مجتهدات في ملتطم الخلاف ، ومستندها في النفي والإثبات مسائل الإجماع ، وليس من ورائها نصوص صريحة ، وألفاظ صحيحة في الكتاب والسنة ، والأصل [ ص: 50 ] فيها الإجماع إذا ; فمن لم يثق بالأصل الذي منه الاستثارة والاستنباط ، كيف يعدل في مسالك التحري والتأخي معياره ؟ ؟ وأنا لم أطنب في التشريف وأنا أقيم لهذا السؤال وزنا ، ولكن رمت تنبيه القرائح لتدرك الحقيقة والمعنى .

        59 - وأنا الآن أستعين بالله ، فهو المستعان ، وعليه التكلان ؛ فأقول مدار الكلام في إثبات الإجماع على العرف واطراده ، وبيان استحالة جريانه حائدا عن مألوفه ومعتاده ، فكل ما يتعلق بالدول ، والأديان والملل ، فالعرف مستمر على اتباع شوف ومطمح يجمع شتات الآراء ، ويؤلف افتراق الأهواء ; ولهذا السبب انتظم أمر الدين والدنيا ، ولو استرسل الناس على مذاهبهم المتباينة في الإرادات والمنى ، وتقطعوا أيادي سبا ، لاستحال الكون والبقاء ، ولهلك في النزاع والدفاع الجماهير والدهماء ، وإذا أراد الله بقوم سوءا ، تركهم سدى ، يختبطون بلا وزر ، فإذ ذاك يتهافتون على ورطات [ ص: 51 ] الغرر ، ويتهاوون في مهاوي الخطر .

        وملاك الأمور كلها ملة تدعو إلى القربات والخيرات ، وتزجر عن الفواحش والموبقات ، ومرتبطها الأنبياء المؤيدون بالآيات ، وإيالة قهرية تضم النشر من الآراء المتناقضة ، ومتعلقها الملوك والأمراء الممدون بالعدد والعدد ، وأسباب المواتاة ، فما كان من اتساق واتفاق مستنده دين أو ملك ، فليس وقوعه بديعا ، وما ذكروه جميعا في هذا الصنف في مستقر العرف ، وأما ما جعلناه متمسكا في الإجماع فالاتفاق على حكم معين في مسألة مخصوصة ، وهذا التعين لا تقتضيه إيالة ملكية قهرية ، ولا قضية دينية نبوية ، ويستحيل إجماع عدد عظيم على أمر من غير ثبوت سبب جامع ، كما يستحيل إجماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود ، أو أكل أو نوم ، مع اختلاف الدواعي والصوارف ، وتباين الجبلات والخلق والأخلاق ، فحصول الاتفاق مع ذلك من وفاق يفضي إلى الانخرام في مطرد العرف والانخراق .

        فقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أن إجماع أهل البصائر على [ ص: 52 ] القطع في مسألة مظنونة ، لا مجال للعقول فيها يستحيل وقوعه من غير سبب مقطوع به سمعي .

        60 - فإن قيل : لو كان سبب الإجماع خبرا مثلا مقطوعا به ، للهج المجمعون بنقله .

        قلنا : لا نبعد أن ينعقد الإجماع عن سبب مقطوع به ، ثم يقع الاكتفاء بالوفاق ، ويضرب المجمعون عن نقل السبب ; لقلة الحاجة إليه ، وكم من شيء يستفيض عند وقوعه ، ثم يمحق ويدرس ، حتى ينقل آحادا ، ثم ينطمس حتى لا ينقل ، ويقع الاكتفاء بما ينعقد الوفاق عليه ، ووضوح ذلك يغني أصحاب المعارف بالعرف عن الإطناب في تقريره .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية