الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        112 - فأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة : فالعلم ، والورع ، وسنلحق بهما بعد تحقيق القول فيهما صفة ثالثة .

        113 - فأما العلم ، فالشرط أن يكون الإمام مجتهدا بالغا مبلغ المجتهدين ، مستجمعا صفات المفتين ، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف . والدليل عليه أن أمور معظم الدين تتعلق بالأئمة . فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر ، فلا شك في ارتباطه بالإمام ، وأما ما عداه من أحكام الشرع ، فقد يتعلق به من جهة انتدابه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو لم يكن الإمام مستقلا بعلم الشريعة ، لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع وذلك يشتت رأيه ، ويخرجه عن رتبة الاستقلال .

        [ ص: 85 ] ولو قيل : إنه يراجع المفتي مراجعة آحاد الناس المفتين ، لكان ذلك محالا ; فإن الوقائع التي ترفع إلى الإمام في الخطوب الجسام ، والأمور العظام لا تتناهى كثرة ; إذ هو شرف العالمين ، ومطمح أعين المسلمين ، وقد لا يجد عند رفع واقعة إليه أعلم علماء القطر والناحية ، فيتردد ، ويتبلد ، ويبطل أثره في منصب الاستقلال ، ولو جاز ذلك لساغ أن لا يكون الإمام ذا كفاية واستقلال بنفسه . ثم يراجع الكفاة ، ويستشير ذوي الأحلام والدهاة .

        وهذا لا قائل به ، فإذا كانت الإمامة زعامة الدين والدنيا ، ووجب استقلاله بنفسه في تدبير الأمور الدنيوية ، فكذلك يجب استقلاله بنفسه في الأمور الدينية ، فإن أمور الدنيا على مراسم الشريعة تجري فهي المتبع والإمام في جميع مجاري الأحكام ، والرأي يجب أن يكون على مقتضى الشرع ; فإن الذي لا يقتضيه الشرع لا معول عليه .

        [ ص: 86 ] فالكفاية المرعية معناها الاستقلال بتأدية الأصوب شرعا في الأمور المنوطة بالإمام .

        114 - فإن قيل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وقعت واقعة ، وألمت به ملمة ، اشتوروا ، ولم يأنفوا من المراجعة والمرادة ، فأشعر ذلك من عادتهم بأن استقلال الإمام ليس شرطا في الإمامة .

        قلنا : الحبر المشار إليه ، والإمام المتفق عليه ، ومن هو البحر الذي لا ينزف لا يبعد منه أن يستشير في آحاد الوقائع ، ويستمد من نتائج القرائح ، ويبحث في محادثة أطراف الكلام عن مآخذ الأحكام ، كيف وقد ندب الله رسوله - عليه السلام - إلى الاستشارة فقال : " وشاورهم في الأمر " ولا منافاة بين بلوغ المرتبة العليا في العلوم ، وبين التناظر والتشاور في المعضلات .

        115 - ونحن نرى للإمام المستجمع خلال الكمال ، البالغ مبلغ الاستقلال أن لا يغفل الاستضاءة في الإيالة وأحكام [ ص: 87 ] الشرع بعقول الرجال ، فإن صاحب الاستبداد لا يأمن الحيد عن سنن السداد ، ومن وفق للاستمداد من علوم العلماء ، كان حريا بالاستداد ، ولزوم طريق الاقتصاد .

        116 - وسر الإمامة استتباع الآراء ، وجمعها على رأي صائب ، ومن ضرورة ذلك استقلال الإمام ، ثم هو محثوث على استفادة مزايا القرائح ، وتلقي الفوائد والزوائد منها ; فإن في كل عقل ميزة ، ولكن اختلاف الآراء مفسدة لإمضاء الأمور ، فإذا بحث عن الآراء إمام مجتهد ، وعرضها على علمه الغزير ، ونقدها بالسبر والفكر الأصوب من وجوه الرأي ، كان جالبا إلى المسلمين ثمرات العقول ، ودافعا عنهم غائلة التباين والاختلاف ، فكأن المسلمين يتحدون بنظر الإمام ، وحسن تدبيره ، وفحصه وتنقيره ، ولا بد على كل حال من كون الإمام متبوعا [ ص: 88 ] غير تابع ، ولو لم يكن مجتهدا في دين الله ، للزمه تقليد العلماء واتباعهم ، وارتقاب أمرهم ، ونهيهم ، وإثباتهم ، ونفيهم وهذا يناقض منصب الإمامة ، ومرتبة الزعامة .

        فهذا قولنا في العلم .

        117 - فأما التقوى والورع ، فلا بد منهما ; إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس ، فكيف يولى أمور المسلمين كافة ، والأب الفاسق مع فرط حدبه وإشفاقه على ولده لا يعتمد في مال ولده ، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق لا يتقي الله ؟ ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء ، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام .

        [ ص: 89 ] 119 - فأما الصفة الثالثة التي ضمنا ضمها إلى الفضائل المكتسبة ، فهي ضم توقد الرأي في عظائم الأمور ، والنظر في مغبات العواقب ، وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل ، ويهذبها التدريب في طرق التجارب .

        119 - والغرض الأعظم من الإمامة جمع شتات الرأي ، واستتباع رجل أصناف الخلق على تفاوت إرادتهم ، واختلاف أخلاقهم ومآربهم وحالاتهم ، فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجموعين على رأي واحد ، لم ينتظم تدبير ، ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير ، ولاصطلمت الحوزة ، واستؤصلت البيضة ، وليعتبر العاقل ذلك بملك مطاع بين أتباع ، محفوف بجنود ، وخفق بنود وأشياع ، إذا اختطف الملك بغتة ، وفاجأته المنية فلتة . فلينظر كيف تنفض الجموع ، ويصيرون عبرة أسماع وأبصار ، فلو لم يكن في خطة الإسلام [ ص: 90 ] متبوع يأوي إليه المختلفون ، وينزل على حكمه المتنازعون ، ويذعن لأمره المتدافعون ، إذا أعضلت الحكومات ، ونشبت الخصومات ، وتبددت الإرادات ، لارتبك الناس في أفظع الأمر ، ولظهر الفساد في البر والبحر .

        120 - وإذا تبين الغرض من نصب الإمام ، لاح أن المقصود لا يحصل إلا بذي كفاية ودراية ، وهداية إلى الأمور واستقلال بالمهمات ، وجر الجيوش ، لا يزعه خور الطبيعة عن ضرب الرقاب أوان الاستحقاق ، ولا تحمله الفظاظة على ترك الرقة والإشفاق . ثم لا يكفي أن يسمى كافيا ، فرب مستقل بأمر قريب لا يستقل بأمر فوقه ، فلتعتبر مقاصد الإمامة ، وليشترط استقلال الإمام بها . فهذا معنى النجدة والكفاية .

        121 - فتنحل من مجموع هذه الأوصاف أن الصالح للإمامة هو الرجل الحر ، القرشي ، المجتهد ، الورع ، ذو النجدة والكفاية .

        [ ص: 91 ] 122 - ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين ; فيقال : المرعي الاستقلال والنسب ، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية ، والعلم ، والورع ، والحرية ، والذكورة تدخل أيضا ، فإن المرأة مأمورة بأن تلزم خدرها ، ومعظم أحكام الإمامة تستدعي الظهور والبروز ، فلا تستقل المرأة إذا .

        فهذا منتهى ما أردنا في ذلك .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية