الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

من مرتكزات الخطاب الدعوي في التبليغ والتطبيق

الأستاذ / عبد الله الزبير عبد الرحمن

انفتاح الخطاب الإسلامي على أهل الملل والأديان

ومما لا يقره الإسلام لدعاته، ولم يوافق عليه، بل لم يجوزه، أن ينحصر خطابهم فيما بينهم، ولا يتعدى الأمة إلى غيرها من الأمم من أهل الديانات والملل، بله أن يقتصر على الصفوة من أهل التدين فيهم.

ذلك، أن دعوة الإسلام تتوجه للعالمين، بحق مطلق لا يحصره زمان ولا مكان، بل يسري خطابه لكل قرن وأمة في التاريخ، وكل قرية وقوم وملة على وجه الأرض، ولم يكن الإسلام في خطابه الخاتم لمدى محدود بقوم أو أمة أو إقليم،

بل كان خطاب نذارة وبشارة للعالمين: ( إن هـو إلا ذكر للعالمين ) (التكوير: 27) ..

( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (سبأ: 28) .

والمسلم يأمره القرآن أن يتفاعل مع غيره من أهل الديانات والملل، دعوة ومجادلة ومجاهدة، وأن لا ينغلق بل ينفتح بخطابه ليمتد على العالمين، يبشر بالحق الذي أوتيه، ويحيي حركة السابقين الأولين من سلف [ ص: 65 ] الأمة الصالحين ومن اتبعهم بإحسان، وقد انطلقوا يبلغون الإسلام إلى الأمم الأخرى،يملأون الأرجاء بعدل الإسلام من جور الأديان، ويحررون الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويوسعون في الآفاق من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، على فهم جديد وقرآن مجيد.

وبهذه المبادئ الباقية ما بقيت السماوات والأرض -والتي يجدها كل من بات أو قال في ظلال آية، تتلوها عليه، وتلقنه إياها- بهذه المبادئ انطلق ربعي بن عامر رضي الله عنه يواجه بها الطغيان في الأرض، ويذيب بها غطرسة الملوك والحكام ممن جار أو ظلم.. يدخل على حاكم الفرس وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت، واللآلئ الثمينة، والزينة العظيمة، وعليه تاجه، وقد جلس على سرير من ذهب، يدخل عليه ربعي رضي الله عنه بثياب صفيقة، وسيف، وترس، وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه، وبيضته على رأسه يتوكأ على رمحه -الذي يتميز غيظا من غطرسة الكفر والنفاق- فوق النمارق، فخرق عامتها، فقال له ملكهم ما جاء بكم؟

فأجاب: " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه.. " [1] . [ ص: 66 ]

بهذه الكلمات حدد ربعي رضي الله عنه هـدف الدعوة وحدودها، بأن هـدفها: تحرير البشرية من الأغلال الثلاثة: عبادة غير الله، وضيق الدنيا، وجور الأديان الباطلة المحرفة.. وبأن حدود الدعوة ومنتهاها: العالمين، وخلق الله أجمعين.

إذن ليس صحيحا أن يقتصر خطاب الدعاة على الأمة، وليس مقبولا أن لا ينفتح الخطاب الدعوي للمسلمين على العالمين، يصارع عقول الكافرين ويخاطب قلوبهم حتى يسلموا أمرهم.

نعم! من الواجب المتيقن أن تظل الدعوة مشغولة بأمر المسلمين وخاصة الأمة، تذكرهم بحق دينهم، وتنبههم عند غفلاتهم، وتقيل عثراتهم، وتسدد خطاهم، وتطمئنهم إلى صحة حقائق دينهم وعظمها، وتدرأ عنها الشبهات والأباطيل، ثم تقيم الدين في مجتمعاتهم، شعائر وشرائع، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وغيرهن، حياة ومنهجا، تصديقا وتحقيقا.

ولكن لا يعني ذلك أن تنغلق الدعوة في الأمة، ولا تنفتح على غيرها من الأمم، أو تنطلق إلى العالمين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره القرآن أن يعلن في الناس أنه مرسل إليهم أجمعين،

فقال الله تعالى له: ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هـو يحيي ويميت ) (الأعراف: 158) . [ ص: 67 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية