الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ولا يقتل الرجل بابنه ) لقوله عليه الصلاة والسلام { لا يقاد الوالد بولده } وهو بإطلاقه [ ص: 221 ] حجة على مالك رحمه الله في قوله يقاد إذا ذبحه ذبحا ، ولأنه سبب لإحيائه ، فمن المحال أن يستحق له إفناؤه ولهذا لا يجوز له قتله ، وإن وجده في صف الأعداء مقاتلا أو زانيا وهو محصن ، والقصاص يستحقه المقتول ثم يخلفه وارثه ، والجد من قبل الرجال أو النساء ، وإن علا في هذا بمنزلة الأب ، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأب أو الأم قربت أو بعدت لما بينا ، ويقتل الولد بالوالد لعدم المسقط

التالي السابق


( قوله : ولا يقتل الرجل بابنه لقوله عليه الصلاة والسلام { لا يقاد الوالد بولده } ) قال تاج الشريعة : قلت : خص به عموم الكتاب ; لأنه لحقه [ ص: 221 ] الخصوص

فإن المولى لا يقتص بعبده ولا بعبد ولده

وذكر الإمام البزدوي أن هذا حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فصلح مخصصا أو ناسخا حكم الكتاب ا هـ

أقول : الحق ما ذكره الإمام البزدوي لا ما قاله تاج الشريعة من عند نفسه ; لأن حاصل ما قاله أن الكتاب في حكم القصاص صار مما خص منه البعض بعدم اقتصاص المولى بعبده ولا بعبد ولده فصار ظنيا فجاز تخصيص قتل الوالد ولده من عموم الكتاب الدال على وجوب القصاص في القتلى بالسنة ولو كانت من أخبار الآحاد ، ولكنه غير تام ; إذ قد تقرر في الأصول أن العام الذي خص منه البعض إنما يصير ظنيا إذا كان تخصيصه بكلام مستقل موصول به ، وأما إذا كان البعض من العام مخرجا بدليل مفصول عنه فيكون عمومه منسوخا لا مخصوصا ويصير قطعيا في الباقي

ولا شك أن ما يخرج قتل المولى عبده أو عبد ولده عن آية القصاص ليس كلاما موصولا بها فلا ينافي قطعيتها ، فلا يجوز إخراج قتل الوالد ولده عنها بخبر واحد ، بل لا أقل من أن يكون المخرج حديثا مشهورا كما عرف في أصول الفقه فلا بد من المصير هنا إلى ما ذكره الإمام البزدوي ( قوله : والقصاص يستحقه المقتول ثم يخلفه وارثه ) قال الشراح : هذا جواب عما يقال الوارث يستحق إفناءه لا الولد ولا محذور فيه

وقال صاحب العناية بعد ذلك : ولو قال فمن المحال أن يتسبب لفنائه لاستغنى عن هذا السؤال والجواب ا هـ أقول : فيه بحث ; إذ لا يرى جهة سببية المقتول لفناء القاتل سوى استحقاقه القصاص ، فلو قال : فمن المحال أن يتسبب لفنائه ، فأما إن أراد بتسببه لفنائه استحقاقه القصاص فيرد عليه السؤال المزبور ويحتاج إلى الجواب المذكور ، وأما إن أراد بها شيئا سوى استحقاقه القصاص ، وهو غير معلوم فكيف يتم بناء الدليل عليه تدبر تفهم ( قوله ، والجد من قبل الرجال والنساء وإن علا في هذا بمنزلة الأب ، وكذا الوالدة والجدة من قبل الأب أو الأم قربت أو بعدت لما بينا ) أقول : من العجائب هنا أن الإمام الزاهدي [ ص: 222 ] قال في شرح مختصر القدوري : قلت : ذكر الجدة في الهداية من قبل الأم ولم يطلقها ، وذكر فيها الأجداد من قبل الرجال والنساء ، والأم ولم يذكر الجدة من قبل الأب أصلا فوقعت لي شبهة في الجدة من قبل الأب وقد زالت بحمد الله تعالى بما ذكر في كفاية البيهقي

قال : ولا يقتل أصول المقتول به وإن علوا خلافا لمالك فيما إذا ذبحه ذبحا ا هـ

وأنت ترى أن الجدة من قبل الأب مذكورة في الهداية هنا صراحة فكيف خفيت عليه حتى وقعت له شبهة في أمرها




الخدمات العلمية