الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ومن قتل وله أولياء صغار وكبار فللكبار أن يقتلوا القاتل عند أبي حنيفة وقالا ليس لهم ذلك حتى يدرك الصغار ) ; لأن القصاص مشترك بينهم ولا يمكن استيفاء [ ص: 228 ] البعض لعدم التجزي ، وفي استيفائهم الكل إبطال حق الصغار فيؤخر إلى إدراكهم كما إذا كان بين الكبيرين وأحدهما غائب أو كان بين الموليين

وله أنه حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ وهو القرابة ، واحتمال العفو من الصغير منقطع فيثبت لكل واحد منهما كملا كما في ولاية الإنكاح ، بخلاف الكبيرين ; لأن احتمال العفو من الغائب ثابت ومسألة الموليين ممنوعة

التالي السابق


( قوله : ومن قتل وله أولياء صغار وكبار ) قال صاحبا النهاية والكفاية في شرح هذا المحل بأن كان للمقتول أخوان أحدهما صغير والآخر كبير

أقول : هذا الشرح لا يطابق عبارة المشروح ; لأن لفظ الأولياء في المشروح صيغة الجمع ، وكذا لفظ الصغار والكبار فكيف يتصور تصوير معنى المشروح بأن كان للمقتول أخوان أحدهما صغيرا والآخر كبيرا ولا يساعده لفظ الأولياء فضلا عن لفظي الصغار والكبار

والظاهر في التصوير أن يقال بأن كان للمقتول إخوة بعضهم صغار وبعضهم كبار ، وغاية ما يمكن في توجيه كلام ذينك الشارحين أن يقال : ليس مقصودهما [ ص: 228 ] شرح كلام المصنف على وفق عين عبارته ، بل مقصودهما مجرد تصوير المسألة على وجه يتضمن الإشارة إلا أنه لا احتياج في تحقق مادة هذه المسألة إلى تحقق معنى الجمعية لا في جانب الصغير ولا في جانب الكبير بل ولا في مجموع الجانبين أيضا ( قوله كما إذا كان بين الكبيرين ، وأحدهما غائب أو كان بين الموليين ) قال صاحب النهاية في شرح قوله : أو كان بين الموليين : أي وأحدهما غائب ، واقتفى أثره صاحب معراج الدراية كما هو دأبه في أكثر المحال

أقول : ليس هذا بشرح صحيح عندي ; إذ لو كان مراد المصنف هذا المعنى لكان ذكر قوله أو كان بين الموليين مستدركا محضا إذ يتناوله حينئذ قوله كما إذا كان بين الكبيرين وأحدهما غائب فيستغني عن قوله أو كان بين الموليين

وأيضا لو كان مراده ذلك لما قدم قوله وأحدهما غائب على قوله أو كان بين الموليين بل كان عليه أن يؤخر قوله : وأحدهما غائب عن ذلك ليتعلق بمجموع القولين فلا يحتاج إلى التقدير في الثاني ، والصواب في شرح قوله أو كان بين الموليين أن يقال : أي وأحدهما صغير ; إذ لا يلزم حينئذ شيء من المحذورين المذكورين بل يكون كل من قوليه المزبورين إشارة إلى مسألة مستقلة مغايرة للأخرى ، ويوافقه صريح ما ذكر في المبسوط فإنه قال فيه في باب الوكالة بالدم من الديات :

صورة

مسألة الموليين فيما إذا كان العبد مشتركا بين الصغير والكبير فقتل العبد ليس للكبير ولاية استيفاء القصاص قبل أن يدرك الصغير بالاتفاق ا هـ تبصر ( قوله وله أنه حق لا يتجزأ لثبوته بسبب لا يتجزأ وهو القرابة )

أقول : في تمام الاستدلال بعدم تجزؤ سبب القصاص وهو القرابة على عدم تجزؤ القصاص نفسه خفاء ، فإن العقل لا يجد محذورا في كون السبب بسيطا والمسبب مركبا ، كيف والظاهر أن القرابة التي لا تتجزأ كما أنها سبب لاستحقاق ولي القتيل القصاص في القتل العمد كذلك هي سبب أيضا لاستحقاقه الدية في القتل الخطإ ، مع أنه لا شك أن الدية تتجزأ ; لأنها مال والمال منجز بلا ريب

فالأظهر في بيان كون القصاص حقا لا يتجزأ ما ذكر في الكافي ومعراج الدراية أثناء تقرير دليل الإمامين ، وهو أن القتل غير منجز ; لأنه تصرف في الروح وذا لا يقبل التجزؤ

ثم إن بعض الفضلاء طعن في قولهم هنا إن سبب القصاص هو القرابة حيث قال : كيف يكون سببه القرابة وهو يثبت للزوج والزوجة ا هـ

أقول : نعم يثبت للزوج والزوجة بل للمعتق والمعتقة أيضا كما صرحوا به أن السبب في الزوج والزوجة هو الزوجية ، وفي المعتق والمعتقة هو الولاء دون القرابة ، إلا أن الظاهر أن قولهم ها هنا وهو القرابة إما بناء على التغليب لكون أولياء القتيل في الأكثر قرائبه ، وإما بناء على أنهم أرادوا بالقرابة هنا الاتصال الموجب للإرث دون حقيقة القرابة فيعم الكل ( قوله : واحتمال العفو من الصغير منقطع فيثبت لكل واحد منهما كملا كما في ولاية الإنكاح ) قال الشراح : وجه أبي حنيفة مبني على ثبوت التفرقة بين الصغار والكبار الغيب من حيث [ ص: 229 ] احتمال العفو في الحال وعدمه ، فإن العفو في الغائب موهوم حال استيفاء القصاص لجواز أن يكون الغائب عفا ، والحاضر لا يشعر به فلو استوفى كان استيفاء مع الشبهة وهو لا يجوز

وأما العفو في الصغير فمأيوس حال استيفاء القصاص ; لأنه ليس من أهل العفو ، وإنما يتوهم العفو منه بعد بلوغه ، والشبهة في المال لا تعتبر ; لأن ذلك يؤدي إلى سد باب القصاص لاحتمال أن يندم ولي المقتول على قتله

وقال في النهاية كذا في مبسوط شيخ الإسلام والجامع الصغير للإمام المحبوبي

أقول : لقائل أن يقول : إذا لم يكن للغائب شعور أصلا بكون قريبه مقتولا بأن كان في مسيرة سنة مثلا من موضع القتل فأنى يتوهم منه العفو في الحال ; إذ العفو عن الشيء فرع الشعور به ، فحيث لا شعور به لا يتصور العفو عنه ، ومسألة الغائب تعم مثل هذه الصورة أيضا فكيف يتم فيها ما ذكروا من التفرقة

ثم أقول : يمكن أن يدفع ذلك بأنه يجوز أن يقول ذلك الغائب في ذلك الموضع في تلك الحالة أو قبلها كل حق يثبت لي على الغير فإني عفوته وبرئت منه ، فيندرج في هذه الكلية عفوه عن قتل قريبه أيضا ، ولا يلزم الشعور بخصوصه فهذا الاحتمال في صورة أن كان بعض الأولياء غائبا ، وإن كان موهوما يورث شبهة في الحال فلا يستوفى القصاص بها بالإجماع ، ولعل حل هذا المقام بهذا الوجه مما لا بد منه ، وقد أهمله الجمهور




الخدمات العلمية