الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإن أوصى بداره كنيسة لقوم غير مسمين جازت الوصية عند أبي حنيفة ، وقالا : الوصية باطلة ) لأن هذه معصية حقيقة وإن كان في معتقدهم قربة ، والوصية بالمعصية باطلة لما في تنفيذها من تقرير المعصية . ولأبي حنيفة أن هذه قربة في معتقدهم ونحن أمرنا بأن نتركهم وما يدينون فتجوز بناء على اعتقادهم ; ألا يرى أنه لو أوصى بما هو قربة حقيقة معصية في معتقدهم لا تجوز الوصية اعتبارا لاعتقادهم فكذا عكسه . [ ص: 494 ] ثم الفرق لأبي حنيفة بين بناء البيعة والكنيسة وبين الوصية به أن البناء نفسه ليس بسبب لزوال ملك الباني . وإنما يزول ملكه بأن يصير محررا خالصا لله تعالى كما في مساجد المسلمين ، والكنيسة لم تصر محررة لله تعالى حقيقة فتبقى ملكا للباني فتورث عنه ، ولأنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنونها فلم يتحرر لتعلق حق العباد به ، وفي هذه الصورة يورث المسجد أيضا لعدم تحرره ، بخلاف الوصية لأنه وضع لإزالة الملك إلا أنه امتنع ثبوت مقتضاه في غير ما هو قربة عندهم فبقي فيما هو قربة على مقتضاه فيزول ملكه فلا يورث .

ثم الحاصل أن وصايا الذمي على أربعة أقسام : منها أن تكون قربة في معتقدهم ولا تكون قربة في حقنا وهو ما ذكرناه ، وما إذا أوصى الذمي بأن تذبح خنازيره وتطعم المشركين ، وهذه على الخلاف إذا كان لقوم غير مسمين كما ذكرناه والوجه ما بيناه . ومنها إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا ولا يكون قربة في معتقدهم ، كما إذا أوصى بالحج أو بأن يبنى مسجد للمسلمين أو بأن يسرج في مساجد المسلمين ، فهذه الوصية باطلة بالإجماع اعتبارا لاعتقادهم ، إلا إذا كان لقوم بأعيانهم لوقوعه تمليكا لأنهم معلومون والجهة مشورة .

ومنها إذا أوصى بما يكون قربة في حقنا وفي حقهم ، كما إذا أوصى بأن يسرج في بيت المقدس أو يغزى الترك وهو من الروم ، وهذا جائز سواء كانت لقوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم لأنه وصية بما هو قربة حقيقة وفي معتقدهم أيضا . ومنها إذا أوصى بما لا يكون قربة لا في حقنا ولا في حقهم ، كما إذا أوصى للمغنيات والنائحات ، فإن هذا غير جائز لأنه معصية في حقنا وفي حقهم ، إلا أن يكون لقوم بأعيانهم فيصح تمليكا واستخلافا ، وصاحب الهوى إن كان لا يكفر فهو في حق الوصية بمنزلة المسلم لأنا أمرنا ببناء الأحكام على الظاهر ، وإن كان يكفر فهو بمنزلة المرتد فيكون [ ص: 495 ] على الخلاف المعروف في تصرفاته بين أبي حنيفة وصاحبيه .

[ ص: 494 ]

التالي السابق


[ ص: 494 ] قوله ثم الفرق لأبي حنيفة رحمه الله . إلى قوله : والكنيسة لم تصر محررة لله تعالى حقيقة ) قال في العناية بل تحرر على معتقدهم . أقول : لقائل أن يقول : إن أصل أبي حنيفة رحمه الله أن كون الشيء قربة في معتقدهم كاف بناء على أنا أمرنا بأن نتركهم وما يعتقدون ، فالاعتبار عنده لاعتقادهم دون الحقيقة كما مر آنفا ، فلم لم يعتبر هنا كون الكنيسة أو البيعة محررة في معتقدهم حتى يزول ملك الباني عنها . فإن قلت : إنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنون فلم تحرر لله تعالى لتعلق حق العباد بها . قلت : هذا مصير إلى التعليل الثاني الذي ذكره بقوله ولأنهم يبنون فيها الحجرات إلى آخره ، والكلام في التعليل الأول فلا معنى للخط .

( قوله ولأنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنونها فلم يتحرر لله تعالى لتعلق حق العباد به ) قال صاحب العناية : قوله ولأنهم يبنون فيها الحجرات دليل آخر على عدم التحرر لله تعالى ا هـ . أقول : فيه نظر ، لأن كون هذا دليلا آخر على عدم [ ص: 495 ] التحرر لله تعالى يقتضي سبق دليل أول عليه ، ولا يذهب على الناظر في كلام المصنف أنه لم يذكر فيه قبل هذا ما يكون دليلا عليه ، وإنما قال من قبل والكنيسة لم تصر محررة لله تعالى حقيقة ، وهذا دعوى بلا دليل . ثم أقول : الحق عندي أن قوله ولأنهم يبنون فيها الحجرات إلخ دليل آخر على الفرق لأبي حنيفة بين بناء البيعة والكنيسة وبين الوصية عطف بحسب المعنى على قوله إن البناء نفسه ليس بسبب لزوال ملك الباني إلخ ، كأنه قال : ثم الفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى بينهما لأن البناء نفسه ليس بسبب لزوال ملك الباني ، ولأنهم يبنون فيها الحجرات ويسكنونها إلخ تبصر




الخدمات العلمية