الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ونصب القاضي من ) أي وكيلا ( يأخذ حقه ) كغلاته وديونه المقر بها ( ويحفظ ماله ويقوم عليه ) عند الحاجة ، فلو له وكيل فله حفظ ماله لا تعمير داره إلا بإذن الحاكم لأنه لعله مات ، ولا يكون وصيا تجنيس ( لكنه ) أي هذا الوكيل المنصوب ( ليس بخصم فيما يدعى على المفقود من دين الوديعة وشركة في عقار [ ص: 294 ] أو رقيق ونحوه ) لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه ، وإنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي ، وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف ; ولو قضى بخصومته لم ينفذ زاد الزيلعي في القضاء وتبعه الكمال إلا بتنفيذ قاض آخر ، لكن في الخلاصة : الفتوى على النفاذ يعني لو القاضي مجتهدا نهر

التالي السابق


( قوله : المقر بها ) بالبناء للمجهول : أي التي أقر بها غرماؤه ، قيد به لما في النهر : ويخاصم في دين وجب بعقده بلا خلاف ، لا فيما وجب بعقد المفقود ، ولا في نصيب له في عقار أو عرض في يد رجل ، ولا في حق من الحقوق إذا جحده من هو عنده أو عليه ; لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه وإنما هو وكيل من جهة القاضي وهو لا يملك الخصومة بلا خلاف ( قوله : ويقوم عليه ) أعم مما قبله ; لأنه يشمل الحفظ وغيره كحصاد ودياس مثلا ( قوله : عند الحاجة إلخ ) متعلق بقوله ونصب القاضي ، وهذا بحث ذكره في البحر ، أصله أنه إنما ينصب إذا لم يكن له وكيل في الحفظ أقامه الغائب قبل فقده ; لأنه لا ينعزل بفقده ، لما في التجنيس : جعل داره بيد رجل ليعمرها أو دفع ماله ليحفظه وفقد الدافع فله الحفظ لا التعمير إلا بإذن الحاكم ; لأنه لعله مات ولا يكون الرجل وصيا . ا هـ . وأجاب في النهر بأن الظاهر أنه أي وكيل المفقود لا يملك قبض ديونه التي أقر بها غرماؤه ولا غلاته ، وحينئذ فيحتاج إلى النصب ، وكأن هذا هو السر في إطلاقهم نصب الوكيل . ا هـ .

قلت : وفيه نظر ; لأن مراد البحر أن القاضي إنما ينصب له من يأخذ حقه ويحفظ ماله إذا لم يكن له وكيل في ذلك ; لأن وكيله لا ينعزل بفقده ; وقول النهر الظاهر أنه لا يملك قبض ديونه إلخ غير مسلم إلا بنقل صريح ; لأنه إذا لم ينعزل وقد وكله بذلك فما المانع له منه ؟ فلذا والله أعلم لم يعول الشارح على كلامه ( قوله : ليس بخصم فيما يدعى على المفقود ) ولا فيما يدعى له كما علمته . قال في البحر وكذا ليس للورثة ما ذكر ; لأنهم يرثونه بعد موته ولم يثبت . [ ص: 294 ] ثم نقل عن البزازية : مات عن ابنين أحدهما مفقود فزعم ورثة المفقود أنه حي وله الميراث والابن الآخر يزعم موته لا خصومة بينهما ; لأن ورثة المفقود اعترفوا أنه لا حق لهم في التركة فكيف يخاصمون عمهم ا هـ ; لأن اعترافهم بحياته اعتراف بأن الحق له ( قوله : ونحوه ) أي نحو ما ذكر من رد بعيب أو مطالبة لاستحقاق بحر ( قوله : بلا خلاف ) لما فيه من تضمن الحكم على الغائب وإنما الخلاف المعروف بينهم فيمن وكله المالك بقبض الدين هل يملك الخصومة أم لا ؟ فعنده يملكها وعندهما لا . ا هـ . ح عن الزيلعي .

مطلب : قضاء القاضي ثلاثة أقسام ( قوله : لم ينفذ ) اعلم أن قضاء القاضي ثلاثة أقسام : قسم يرد بكل حال ، وهو ما خالف النص أو الإجماع . وقسم يمضي بكل حال ، حتى لو رفع إلى قاض آخر لا يراه نفذه وأمضاه ولا يبطله ، وهو ما يكون الخلاف فيه لا في نفس القضاء بل في سببه . وأمثلته كثيرة : منها لو قضى شافعي بشهادة المحدودين بعد التوبة أو قضى لامرأة بشهادة زوجها وأجنبي نفذ ; ولو رفع إلى حنفي لزمه تنفيذه ; لأن الاختلاف في سبب القضاء ، وهو أن شهادة هؤلاء هل تصير حجة للحكم أم لا ، أما نفس الحكم فلا اختلاف فيه . والقسم الثالث : الحكم المجتهد فيه ، وهو ما يقع الخلاف فيه في نفس الحكم ; فقيل ينفذ أيضا ، وقيل لا ينفذ إلا إذا نفذه قاض آخر ، فإذا نفذه الثاني نفذ ، حتى لو رفع إلى ثالث أمضاه وإذا أبطله الثاني فليس لأحد أن يجيزه وهذا هو الصحيح . وبعضهم صحح الأول ، وذلك كما لو قضى لولده على أجنبي أو لامرأته بشهادة رجلين ; لأن نفس القضاء مختلف فيه .

واختلفوا فيما لو قضى على الغائب ، فقيل هو من هذا القسم فلا ينفذ إلا بتنفيذ قاض آخر وهو ما نقله عن الزيلعي والكمال ، بناء على أن الاختلاف في نفس القضاء على الغائب . وقيل هو من القسم الثاني فينفذ بلا توقف على تنفيذ قاض آخر ، وهو ما نقله عن الخلاصة بناء على أن الاختلاف لا في نفس القضاء بل في سببه ، وهو أن البينة هل تكون حجة من غير خصم حاضر أو لا ؟ ( قوله : يعني لو القاضي مجتهدا ) ومثله ما لو كان مقلدا المجتهد ، وهذا ترجيح لما حققه في البحر من كتاب القضاء من أن الخلاف في نفاذ القضاء على الغائب ، محله ما إذا كان مذهب القاضي صحة هذا القضاء بخلاف القاضي الحنفي وسيأتي في القضاء إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك .




الخدمات العلمية