الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الحكم الرابع : التمليك . وفي الجواهر : هو جائز بعد انقضاء مدة التعريف ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فشأنك بها ) والأحسن له بعد ذلك أن ينفقها أو يتصدق بها ، فإن اختار تملكها ثبت ملكه عليها ، وقال ( ش ) في أظهر قوليه وابن حنبل : يدخل في ملكه بغير اختياره بعد الحول كالميراث ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( استفقها ) وفي رواية : ( إن لم يأت ربها فهي كسائر ماله ) وفي رواية : ( فهي لك ) وقياسا على الاحتطاب والاصطياد ، وقال ( ح ) : لا يملكها مطلقا كالوديعة .

                                                                                                                والجواب عن الأول : الفرق بأن الموروث إنما نقل ملكه بسبب تعذر حاجته إليه ، والشرع إنما ملك الأملاك لدفع الحاجات فحيث لا حاجة لا ملك ، وصاحب اللقطة يحتاج لبقاء حياته ، فملكه باق عند عدم اختيار الواجد ، لأنه لما كان مالكا افتقر انتقال ملكه إلى رضا المتنقل إليه ، ولا يشترط رضاؤه هو لتعذر وجوده ، ومن مصلحته الاقتصار على رضا الواجد لتضمنها في ذمته .

                                                                                                                عن الثاني : أنه يتعين حمل الرواية على أنه ينفق ويكون له إذا اختار ذلك لوجهين : أحدهما : أنه أقرب للأصول ، وأشبه بانتقال ملك الأحياء .

                                                                                                                [ ص: 114 ] ثانيهما : أنه روي في رواية مشهورة : ( فشأنك بها ) ففوضها لاختياره فتحمل الروايات الأخر على ما بعد الاختيار جمعا بينها .

                                                                                                                عن الثالث : الفرق ، بأن الحطب والصيد لم يتقدم عليه ملك فكان الأمر في انتقاله أيسر ، وعن قياس ( ح ) : الفرق بأن الوديعة صاحبها معلوم فاشترط رضاه كالبيع ، وهذا مجهول أشبه المفقود ، فضعف ملكه ، واتفق الجميع على وجوب ردها إذا جاء ربها فوجدها ، أو بدلها إن فقدها ، وفي المقدمات : لا يخير مالك اللقطة ، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فشأنك بها ) أنه مخير بين إمساكها لصاحبها ويزيد في تعريفها ، وبين التصدق بها ويضمنها ، إلا أن يجيز صاحبها الصدقة فيكون له الأجر ، وقال ( ح ) : لا ينفقها إلا المحتاج إليها ، وجوز ( ش ) الاستنفاق مطلقا ، وقيل : لا ينفق إلا أن يكون له وفاء بها . قال : وهو الصحيح لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) فتحصل في المسألة أربعة أقوال ، فجعل صاحب المقدمات مذهب مالك المنع مطلقا ، هو خلاف نص المدونة والشراح كما ترى ، وحكي أيضا أن لقطة مكة لا تستنفق إجماعا ، بل تعرف أبدا ، وستقف على الخلاف ، وقال ابن القصار : يكره له أكلها غنيا كان أو فقيرا ، وقال ابن وهب في العتبية : له أكلها إن كانت قليلة وهو قليل ( كذا ) فيصير في المسألة ستة أقوال .

                                                                                                                فرع : مرتب

                                                                                                                وإذا قلنا بالتملك فهل سائر اللقطة سواء بمكة وغيرها ؟ ففي الجواهر : المذهب التسوية . وقاله ابن حنبل و ( ح ) ، وقال ( ش ) : لا تلتقط إلا للحفظ والتعريف أبدا . ووافقه القاضي أبو الوليد والداودي والقاضي أبو بكر منا . لنا :

                                                                                                                [ ص: 115 ] العمومات من غير تفصيل فوجبت التسوية . ولأنها تدخل على وجه الأمانة ابتداء فلا تختلف بالبقاع كالوديعة ، وبالقياس على لقطة الحل ، احتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث حجة الوداع : ( ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ) فجعل حلها في المنشد . فخرج المتملك ، والجواب : إنا إنما أحللناها لمنشد بعد السنة . ولم يحلها لغير منشد ، وسبب التخصيص : كثرة سقوط الأمتعة من الحاج ( . . . ) الأقطار غالبا ، فيغلب على ظن الواجد أنه لا معنى للتعريف بمكة ( . . . ) منها ، وتطويف أقطار الأرض متعذر ، فيتملكها قبل السنة من غير ( . . . ) النهي عن ذلك .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية