الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
معلومات الكتاب

نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

عمر عبيد حسنة

الالتزام بالمبدأ والفكرة

لسنا بحاجة إلى بيان أهمية حياة القائد واستمراره على أرض المعركة، كما أننا لسنا بحاجة إلى بيان حاجة المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أشد حالات المحنة والابتلاء، مرشدا ومعلما وقائدا، مع ذلك لما أشيع موته، واضطربت الصفوف، وزلزلت النفوس، فكان شعارهم: الارتداد إلى الدين الأول، وثبت آخرون ليقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وكانت المحنة الشديدة إشاعة موت القائد فجاءت الحقيقة الخالدة لتوضح أن الإسلام حق وقيم ومنهج وأفكار يلتزم بها الإنسان المسلم، ويمنحها ولاءه، وليس ارتباطا بأشخاص يخطئون ويصيبون، يحيون ويموتون، ينتصرون وينهزمون.. إنها الحقيقة الخالدة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، إنه الإسلام، الرسالة الخاتمة، الذي انتقل بالبشرية من مرحلة الأشخاص إلى مرحلة الأفكار كحقيقة مجردة يلتزم بها المسلم، يجتمع عليها ويفترق عليها ويدور معها حيث دارت، فتضمن له ديمومة الفاعلية والاستمرار، وتحول بينه وبين الإحباطات التي يمكن أن يتعرض لها على الطريق الطويل، ذلك أن الصواب والبقاء للأفكار والخطأ والزوال للأشخاص، قال تعالى على أرض معركة أحد:

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ؟! (آل عمران: 144) (إننا سنقاتل على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ونموت على ما ماتوا عليه..) أي وضوح في المنهج أكبر من هـذا الوضوح، وبذلك تستوعب الهزيمة وتوظف لتنقلب إلى نصر..

وعادة ما تترك الهزيمة آثارا مريرة، وجراحات نفسية ومادية تحتاج إلى مواجهة صحيحة ومعالجة سليمة للحيلولة دون الإحباط والانكسار النفسي، خاصة في أشد المواقف حراجة؛ المسلمون بقيادة رسولهم صلى الله عليه وسلم يهزمون، ويقف أبو سفيان ليعلن انتصار الصنمية على الحق بقوله: أعل هـبل، فيرد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمام المسلمين بقوله: الله أعلى وأجل. فيقول أبو سفيان: يوم بيوم بدر [ ص: 143 ] والحرب سجال. فيرد عليه عمر بقوله: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.. وينزل قوله تعالى. ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله.. ) (آل عمران: 169، 170) ، وقوله تعالى: ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (آل عمران: 139) فيعتصم المسلمون بالاستعلاء الإيماني الذي يشكل لهم التطعيم والحصانة النفسية ضد الهزيمة، ويتابعون المسير إلى حمراء الأسد رغم ما أصابهم من الجراح ليتعقبوا فلول الأعداء ويصدوا هـجماتهم المتوقعة على المدينة المنورة . ويقول تعالى: ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح.. ) (آل عمران: 172) .

التالي السابق


الخدمات العلمية