الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 3502 ) فصل : وإن صالحه على إقرارها بجزء معلوم من ثمرها ، أو بثمرها كله ، فقد نقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم ، عن أحمد ، أنه سئل عن ذلك ، فقال : لا أدري . فيحتمل أن يصح . ونحوه .

                                                                                                                                            وقال مكحول ، فإنه نقل عنه أنه قال : أيما شجرة ظللت على قوم ، فهم بالخيار بين قطع ما ظلل ، أو أكل ثمرها . ويحتمل أن لا يصح . وهو قول الأكثرين . وإليه ذهب الشافعي ; لأن العوض مجهول ، فإن الثمرة مجهولة ، وجزؤها مجهول ، ومن شرط الصلح العلم بالعوض ، ولأن المصالح عليه أيضا مجهول ; لأنه يزيد ويتغير على ما أسلفنا .

                                                                                                                                            ووجه الأول ، أن هذا مما يكثر في الأملاك ، وتدعو الحاجة إليه ، وفي القطع إتلاف ، فجاز مع الجهالة ، كالصلح على مجرى مياه الأمطار ، [ ص: 316 ] والصلح على المواريث الدارسة ، والحقوق المجهولة التي لا سبيل إلى علمها ، ويقوى عندي أن الصلح هاهنا يصح ، بمعنى أن كل واحد منهما يبيح صاحبه ما بذل له ، فصاحب الهواء يبيح صاحب الشجرة إبقاءها ، ويمتنع من قطعها وإزالتها ، وصاحب الشجرة يبيحه ما بذل له من ثمرتها ، ولا يكون هذا بمعنى البيع ; لأن البيع لا يصح بمعدوم ولا مجهول ، والثمرة في حال الصلح معدومة مجهولة ، ولا هو لازم ، بل لكل واحد منهما الرجوع عما بذله ، والعود فيما قاله ; لأنه مجرد إباحة من كل واحد منهما لصاحبه ، فجرى مجرى قول كل واحد منهما لصاحبه : اسكن داري ، وأسكن دارك . من غير تقدير مدة ، ولا ذكر شروط الإجارة ، أو قوله : أبحتك الأكل من ثمرة بستاني ، فأبحني الأكل من ثمرة بستانك .

                                                                                                                                            وكذلك قوله : دعني أجري في أرضك ماء ، ولك أن تسقي به ما شئت ، وتشرب منه . ونحو ذلك ، فهذا مثله بل أولى ، فإن هذا مما تدعو الحاجة إليه كثيرا ، وفي إلزام القطع ضرر كبير ، وإتلاف أموال كثيرة ، وفي الترك من غير نفع يصل إلى صاحب الهواء ضرر عليه ، وفيما ذكرناه جمع بين الأمرين ، ونظر للفريقين ، وهو على وفق الأصول ، فكان أولى .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية