الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 3470 ) الفصل الثاني ، أنه لا يدفع إليه ماله قبل وجود الأمرين ، البلوغ والرشد ولو صار شيخا . وهذا قول أكثر أهل العلم . قال ابن المنذر : أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز ، والعراق ، والشام ، ، ومصر ، يرون الحجر على كل مضيع لماله ، صغيرا كان أو كبيرا .

                                                                                                                                            وهذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وبه قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد . وروى الجوزجاني ، في " كتابه " ، قال : كان القاسم بن محمد يلي أمر شيخ من قريش ذي أهل ومال ، فلا يجوز له أمر في ماله دونه ; لضعف عقله . قال ابن إسحاق : رأيته شيخا يخضب ، وقد جاء إلى القاسم بن محمد ، فقال : يا أبا محمد ، ادفع إلي مالي ، فإنه لا يولى على مثلي فقال : إنك فاسد . فقال : امرأته طالق ألبتة ، وكل مملوك له حر ، إن لم تدفع إلي مالي . فقال له القاسم بن محمد وما يحل لنا أن ندفع إليك مالك على حالك هذه . فبعث إلى امرأته ، وقال : هي حرة مسلمة ، وما كنت لأحبسها عليك وقد فهت بطلاقها . فأرسل إليها فأخبرها ذلك ، وقال : أما رقيقك فلا عتق لك ، ولا كرامة . فحبس رقيقه . قال ابن إسحاق : ما كان يعاب على الرجل إلا سفهه .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يدفع ماله إليه قبل خمس وعشرين سنة ، وإن تصرف نفذ تصرفه ، فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة ، فك عنه الحجر .

                                                                                                                                            ودفع إليه ماله ; لقول الله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده . } وهذا قد بلغ أشده ، ويصلح أن يكون جدا ، ولأنه حر بالغ عاقل مكلف ، فلا يحجر عليه ، كالرشيد .

                                                                                                                                            ولنا ، قول الله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } . علق الدفع على شرطين ، والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما ، وقال الله تعالى : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . يعني أموالهم ، وقول الله تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } فأثبت الولاية على السفيه ، ولأنه مبذر لماله ، فلا يجوز دفعه إليه ، كمن له دون ذلك .

                                                                                                                                            وأما الآية التي احتج بها ، فإنما يدل بدليل خطابها ، وهو لا يقول به ، ثم هي مخصصة فيما قبل خمس وعشرين سنة بالإجماع ، لعلة السفه ، وهو موجود بخمس وعشرين ، فيجب أن تخص به أيضا ، كما أنها لما خصصت في حق المجنون لأجل جنونه قبل خمس وعشرين ، خصت أيضا بخمس وعشرين ، وما ذكرناه من المنطوق أولى مما استدل به من المفهوم المخصص ، وما ذكروه من كونه جدا ليس تحته معنى يقضي الحكم ، ولا له أصل يشهد له في الشرع ، فهو إثبات للحكم بالتحكم .

                                                                                                                                            ثم هو متصور في من له دون هذه السن ، فإن المرأة تكون جدة لإحدى وعشرين سنة ، وقياسهم منتقض بمن له دون خمس وعشرين سنة ، وما أوجب الحجر قبل خمس وعشرين يوجبه [ ص: 297 ] بعدها .

                                                                                                                                            إذا ثبت هذا فإنه لا يصح تصرفه ، ولا إقراره . وقال أبو حنيفة : يصح بيعه وإقراره . وإنما لا يسلم إليه ماله ; لأن البالغ عنده لا يحجر عليه ، وإنما منع تسليم ماله إليه للآية . وقال أصحابنا في إقراره : يلزمه بعد فك الحجر عنه ، إذا كان بالغا .

                                                                                                                                            ولنا ، أنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده ، فلا يصح تصرفه وإقراره ، كالصبي ، والمجنون ، ولأنه إذا نفذ تصرفه وإقراره تلف ماله ، ولم يفد منعه من ماله شيئا ، ولأن تصرفه لو كان نافذا ، لسلم إليه ماله ، كالرشيد ، فإنه إنما يمنع ماله حفظا له ، فإذا لم يحفظ بالمنع ، وجب تسليمه إليه بحكم الأصل .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية