الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 6371 ) فصل : فإن مات زوجها وسيدها ، ولم تعلم أيهما مات أولا ، فعلى قول أبي بكر ، ليس عليها استبراء ; لأن فراش سيدها قد زال عنها ، ولم تعد إليه ، وعليها أن تعتد لوفاة زوجها عدة الحرائر ; ولأنه يحتمل أن سيدها مات أولا ، ثم مات زوجها وهي حرة فلزمها عدة الحرة ، لتخرج من العدة بيقين . وعلى القول الآخر ، إن كان بين موتهما شهران وخمسة أيام فما دون ، فليس عليها استبراء ; لأن السيد إن كان مات أولا ، فقد مات وهي زوجته ، وإن كان مات آخرا ، فقد مات وهي معتدة ، وليس عليها استبراء في هاتين الحالتين ، وعليها أن تعتد بعد موت الآخر منهما عدة الحرة ; لما ذكرناه .

                                                                                                                                            وإن كان بين موتهما أكثر من ذلك ، فعليها بعد موت الآخر منهما أطول الأجلين ، من أربعة أشهر وعشر ، واستبراء بحيضة ; لأنه يحتمل أن السيد مات أولا ، فيكون عليها عدة الحرة من الوفاة ، ويحتمل أنه مات آخرا ، بعد انقضاء عدتها من الزوج ، وعودها إلى فراشه ، فلزمها الاستبراء بحيضة ، فوجب الجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين . قال ابن عبد البر : وعلى هذا جميع القائلين من العلماء بأن عدة الأمة من سيدها بحيضة ، ومن زوجها شهران وخمس ليال ، فإن جهل ما بين موتهما ، فالحكم فيه كما لو علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال ، احتياطا لإسقاط الفرض بيقين ، كما [ ص: 117 ] أخذنا بالاحتياط في الإيجاب بين عدة حرة وحيضة ، فيما إذا علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال .

                                                                                                                                            وقول أصحاب الشافعي في هذا الفصل مثل قولنا ، وكذلك قول أبي حنيفة وأصحابه ، إلا أنهم جعلوا مكان الحيضة ثلاث حيضات ، بناء على أصلهم في استبراء أم الولد . وقال ابن المنذر حكمها حكم الإماء ، وعليها شهران وخمسة أيام ، ولا أنقلها إلى حكم الحرائر إلا بإحاطة أن الزوج مات بعد المولى . وقيل : إن هذا قول أبي بكر عبد العزيز أيضا . والذي ذكرناه أحوط . فأما الميراث ، فإنها لا ترث من زوجها شيئا ; لأن الأصل الرق ، والحرية مشكوك فيها ، فلم ترث مع الشك ، والفرق بين الإرث والعدة ، أن إيجاب العدة عليها استظهار لا ضرر فيه على غيرها ، وإيجاب الإرث إسقاط لحق غيرها ، ولأن الأصل تحريم النكاح عليها ، فلا يزول إلا بيقين ، والأصل عدم الميراث لها ، فلا ترث إلا بيقين .

                                                                                                                                            فإن قيل : أفليس زوجة المفقود لو ماتت وقف ميراثه منها مع الشك في إرثه ؟ قلنا : الفرق بينهما أن الأصل هاهنا الرق ، والشك في زواله وحدوث الحال التي يرث فيها ، والمفقود الأصل حياته ، والشك في موته وخروجه عن كونه وارثا ، فافترقا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية