الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 6275 ) فصل : وإذا ولدت امرأته ولدا ، فسكت عن نفيه ، مع إمكانه ، لزمه نسبه ، ولم يكن له نفيه بعد ذلك . وبهذا قال الشافعي ، قال أبو بكر : لا يتقدر ذلك بثلاث ، بل هو على ما جرت به العادة ، إن كان ليلا فحتى يصبح وينتشر الناس ، وإن كان جائعا أو ظمآن فحتى يأكل أو يشرب ، أو ينام إن كان ناعسا ، أو يلبس ثيابه ويسرج دابته ويركب ويصلي إن حضرته الصلاة ، ويحرز ماله إن كان غير محرز ، وأشباه ذلك من أشغاله ، فإن أخره بعد هذا كله ، لم يكن له نفيه . وقال أبو حنيفة : له تأخير نفيه يوما ويومين استحسانا ; لأن النفي عقيب الولادة يشق ، فقدر [ ص: 62 ] باليومين لقلته . وقال أبو يوسف ومحمد : يتقدر بمدة النفاس ; لأنها جارية مجرى الولادة في الحكم .

                                                                                                                                            وحكي عن عطاء ، ومجاهد ، أن له نفيه ما لم يعترف به فكان له نفيه ، كحالة الولادة . ولنا ، أنه خيار لدفع ضرر متحقق ، فكان على الفور ، كخيار الشفعة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : { الولد للفراش } . عام خرج منه ما اتفقنا عليه مع السنة الثابتة ، فما عداه يبقى على عموم الحديث ، وما ذكره أبو حنيفة يبطل بخيار الرد بالعيب ، والأخذ بالشفعة ، وتقديره بمدة النفاس تحكم لا دليل عليه ، وما قاله عطاء يبطل أيضا بما ذكرناه ، ولا يلزم القصاص ; لأنه لاستيفاء حق لا لدفع ضرر ، ولا الحمل ; لأنه لم يتحقق ضرره .

                                                                                                                                            إذا ثبت هذا ، فهل يتقدر الخيار في النفي بمجلس العلم ، أو بإمكان النفي ؟ على وجهين : بناء على المطالبة بالشفعة ، فإن أخر نفيه عن ذلك ، ثم ادعى أنه لا يعلم بالولادة ، وأمكن صدقه ، بأن يكون في موضع يخفى عليه ذلك ، مثل أن يكون في محلة أخرى ، فالقول قوله مع يمينه ; لأن الأصل عدم العلم ، وإن لم يمكن ، مثل أن يكون معها في الدار ، لم يقبل ; لأن ذلك لا يكاد يخفى عليه . وإن قال : علمت ولادته ، ولم أعلم أن لي نفيه . أو علمت ذلك ، ولم أعلم أنه على الفور . وكان ممن يخفى عليه ذلك ، كعامة الناس ، قبل منه ; لأن هذا مما يخفى عليهم ، فأشبه ما لو كان حديث عهد بإسلام ، وإن كان فقيها ، لم يقبل ذلك منه ; لأنه مما لا يخفى عليه ذلك . ويحتمل أن يقبل منه ; لأن الفقيه يخفى عليه كثير من الأحكام .

                                                                                                                                            وقال أصحابنا : لا يقبل ذلك من الفقيه ، ويقبل من الناشئ ببادية ، وحديث العهد بالإسلام ، وهل يقبل من سائر العامة ؟ على وجهين . وإن كان له عذر يمنعه من الحضور لنفيه ، كالمرض والحبس ، أو الاشتغال بحفظ مال يخاف ضيعته ، أو بملازمة غريم يخاف فوته أو غيبته ، نظرت ; فإن كانت مدة ذلك قصيرة فأخره إلى الحضور ليزول عذره ، لم يبطل نفيه ; لأنه بمنزلة من علم ذلك ليلا فأخره إلى الصبح ، وإن كانت تتطاول ، فأمكنه التنفيذ إلى الحاكم ليبعث إليه من يستوفي عليه اللعان والنفي ، فلم يفعل ، سقط نفيه ، فإن لم يمكنه ، أشهد على نفسه أنه ناف لولد امرأته ، فإن لم يفعل ، بطل خياره ; لأنه إذا لم يقدر على نفيه كان الإشهاد قائما مقامه ، كما يقيم المريض الفيئة بقوله ، بدلا عن الفيئة بالجماع . فإن قال : لم أصدق المخبر عنه . نظرت ; فإن كان مستفيضا منتشرا ، لم يقبل قوله ، وإن لم يكن مستفيضا ، وكان المخبر مشهور العدالة ، لم يقبل ، وإلا قبل .

                                                                                                                                            وإن قال : لم أعلم أن علي ذلك . قبل قوله ; لأنه مما يخفى ، وإن علم وهو غائب ، فأمكنه السير ، فاشتغل به ، لم يبطل خياره ، وإن أقام من غير حاجة بطل ; لأنه أخره لغير عذر ، وإن كانت له حاجة تمنعه من السير ، فهو على ما ذكرنا من قبل . وإن أخر نفيه لغير عذر ، وقال : أخرت نفيه رجاء أن يموت ، فأستر عليه وعلي . بطل خياره ; لأنه أخر نفيه مع الإمكان لغير عذر .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية