الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 7018 ) الفصل الثاني : أن القسامة لا تثبت ما لم يتفق الأولياء على الدعوى ، فإن كذب بعضهم بعضا ، فقال أحدهم : قتله هذا . وقال الآخر : لم يقتله هذا . أو قال : بل قتله هذا الآخر ، لم تثبت القسامة . نص عليه أحمد . وسواء كان المكذب عدلا أو فاسقا . وذكر عن الشافعي أن القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق ; لأن قوله غير مقبول .

                                                                                                                                            ولنا ، أنه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه ، فقبل ، كما لو ادعى دينا لهما ، وإنما لا يقبل قوله على غيره ، فأما على نفسه ، فهو كالعدل ; لأنه لا يتهم في حقها ; فأما إن لم يكذبه ، ولم يوافقه في الدعوى ، مثل أن قال أحدهما ; قتله هذا . وقال الآخر : لا نعلم قاتله . فظاهر كلام الخرقي ، أن القسامة لا تثبت ; لاشتراطه ادعاء الأولياء على واحد . وهذا قول مالك .

                                                                                                                                            وكذلك إن كان أحد الوليين غائبا ، فادعى الحاضر دون الغائب ، أو ادعيا جميعا على واحد ، ونكل أحدهما عن الأيمان ، لم يثبت القتل ، في قياس قول الخرقي . ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ، ثبوت القسامة . وكذلك مذهب الشافعي لأن أحدهما لم يكذب الآخر ، فلم تبطل القسامة ، كما لو كان أحد الوارثين امرأة أو صغيرا ، فعلى قولهم ، يحلف المدعي خمسين يمينا ، ويستحق نصف الدية ; لأن الأيمان هاهنا بمنزلة البينة ، ولا يثبت شيء من الحق إلا بعد كمال البينة ، فأشبه ما لو ادعى أحدهما دينا لأبيهما ، فإنه لا يستحق نصيبه من الدين إلا أن يقيم بينة كاملة .

                                                                                                                                            وذكر أبو الخطاب ، فيما إذا كان أحدهما غائبا ، أن الأول فيه وجهان ; أحدهما ، أنه يحلف خمسا وعشرين يمينا ، وهذا قول ابن حامد ; لأن الأيمان مقسومة عليه وعلى أخيه ، بدليل ما لو كانا حاضرين متفقين في الدعوى ، ولا يحلف الإنسان عن غيره ، فلا يلزمه أكثر من حصته ، فإذا حضر الغائب أقسم خمسة وعشرين يمينا وجها واحدا ; لأنه يبني على أيمان أخيه . وذكر أبو بكر والقاضي في نظير هذه المسألة ; أن الأول يحلف خمسين يمينا ، وهل يحلف الثاني خمسين أو خمسة وعشرين ؟ على وجهين ; أحدهما يقول ، يحلف خمسين ; لأن أخاه لم يستحق إلا بخمسين ، فكذلك هو . ولنا ، أنهما لم يتفقا في الدعوى ، فلم تثبت القسامة ، كما لو كذبه ; ولأن الحق في محل الوفاق ، إنما يثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ، ولا يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان ، كما في سائر الدعاوى . فعلى هذا ، إن قدم الغائب ، فوافق أخاه ، أو عاد من لم يعلم ، فقال : قد عرفته ، هو الذي عينه أخي . أقسما حينئذ .

                                                                                                                                            وإن قال أحدهما : قتله هذا . وقال الآخر : قتله هذا وفلان . فعلى قول الخرقي ، لا تثبت القسامة ; لأنها لا تكون إلا على واحد . وعلى قول غيره ، يحلفان على [ ص: 388 ] من اتفقا عليه ، ويستحقان نصف الدية ، ولا يجب القود ; لأنه إنما يجب في الدعوى على واحد ، ويحلفان جميعا على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ، ويستحقان نصف الدية ، ولا يجب أكثر من نصف الدية ; لأن أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر ، فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ، ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه ، ولا يحلف الآخر على الآخر ; لأن أخاه كذبه في دعواه عليه .

                                                                                                                                            وإن قال أحدهما : قتل أبي زيد وآخر لا أعرفه . وقال الآخر : قتله عمرو وآخر لا أعرفه . لم تثبت القسامة ، في ظاهر قول الخرقي ; لأنها لا تكون إلا على واحد ، ولأنهما ما اتفقا في الدعوى على واحد ، ولا يمكن أن يحلفا على من لم يتفقا في الدعوى عليه ، والحق إنما ثبت في محل الوفاق بأيمان الجميع ، فكيف يثبت في الفرع بأيمان البعض ؟ ، وقال أبو بكر والقاضي : تثبت القسامة . وهذا مذهب الشافعي ; لأنه ليس هاهنا تكذيب ، فإنه يجوز أن يكون الذي جهله كل واحد منهما ، هو الذي عرفه أخوه ، فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يمينا ، ويستحق ربع الدية ، فإن عاد كل واحد منهما ، فقال : قد عرفت الذي جهله ، وهو الذي عينه أخي .

                                                                                                                                            حلف أيضا على الذي حلف عليه أخوه ، وأخذ منه ربع الدية ، ويحلف خمسة وعشرين يمينا ; لأنه يبني على أيمان أخيه ، فلم يلزمه أكثر من خمسة وعشرين ، كما لو عرفه ابتداء . وفيه وجه آخر ، أنه يحلف خمسين يمينا ; لأن أخاه حلف خمسين يمينا ، وللشافعي في هذا قولان كالوجهين . ويجيء في المسألة وجه آخر ، وهو أن الأول لا يحلف أكثر من خمسة وعشرين يمينا ; لأنه إنما يحلف على ما يستحقه ، والذي يستحقه النصف ، فيكون عليه نصف الأيمان ، كما لو حلف أخوه معه . وإن قال كل واحد منهما : الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي . بطلت القسامة التي أقسماها ; لأن التكذيب يقدح في اللوث ; فيرد كل واحد منهما ما أخذ من الدية . وإن كذب أحدهما أخاه ، ولم يكذبه الآخر ، بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية