[ ص: 37 ] مقدمة المؤلف
الحمد لله منطق البلغاء باللغى في البوادي ، ومودع اللسان ألسن اللسن الهوادي ، ومخصص عروق القيصوم ، وغضى القصيم بما لم ينله العبهر والجادي ، ومفيض الأيادي بالروائح والغوادي ، للمجتدي والجادي ، وناقع غلة الصوادي بالأهاضيب الثوادي ، ودافع معرة العوادي بالكرم الممادي ، ومجري الأوداء من عين العطاء لكل صادي ، باعث النبي الهادي ، مفحما باللسان الضادي كل مضادي ، مفخما لا تشينه الهجنة واللكنة والضوادي ،
محمد خير من حضر النوادي ، وأفصح من ركب الخوادي ، وأبلغ من حلب العوادي ، بسقت دوحة رسالته فظهرت على شوك الكوادي ، واستأسدت رياض نبوته فعيت في المآسد الليوث العوادي ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الدآدي ، وبدور القوادي ، ما ناح الحمام الشادي ، وساح النعام القادي ، وصاح بالأنغام
[ ص: 38 ] الحادي ، ورشفت الطفاوة رضاب الطل من كظام الجل والجادي .
وبعد ، فإن للعلم رياضا وحياضا ، وخمائل وغياضا ، وطرائق وشعابا ، وشواهق وهضابا . يتفرع عن كل أصل منه أفنان وفنون ، وينشق عن كل دوحة منه خيطان وغصون ، وإن علم اللغة هو الكافل بإبراز أسرار الجميع ، الحافل بما يتضلع منه القاحل والكاهل ، والفاقع والرضيع ، وإن بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب ، وكان العمل بموجبه لا يصح إلا بإحكام العلم بمقدمته ، وجب على روام العلم وطلاب الأثر ، أن يجعلوا عظم اجتهادهم واعتمادهم ، وأن يصرفوا جل عنايتهم في ارتيادهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها ، والوقوف على مثلها ورسومها . وقد عني به من الخلف والسلف في كل عصر عصابة ، هم أهل الإصابة ، أحرزوا دقائقه ، وأبرزوا حقائقه ، وعمروا دمنه ، وفرعوا قننه ، وقنصوا شوارده ، ونظموا قلائده ، وأرهفوا مخاذم البراعة ، وأرعفوا مخاطم اليراعة ، فألفوا وأفادوا ، وصنفوا وأجادوا ، وبلغوا من المقاصد قاصيتها ، وملكوا من المحاسن ناصيتها ، جزاهم الله رضوانه ، وأحلهم من رياض القدس ميطانه .
هذا ، وإني قد نبغت في هذا الفن قديما ، وصبغت به أديما ، ولم أزل في خدمته مستديما ، وكنت برهة من الدهر ألتمس كتابا جامعا بسيطا ، ومصنفا على الفصح والشوارد محيطا ، ولما أعياني الطلاب ، شرعت في كتابي الموسوم ب " اللامع المعلم العجاب ، الجامع بين المحكم والعباب " ، فهما غرتا الكتب المصنفة في هذا الباب ، ونيرا براقع الفضل والآداب ، وضممت إليهما زيادات امتلأ بها الوطاب ، واعتلى منها الخطاب ، ففاق كل مؤلف في هذا
[ ص: 39 ] الفن هذا الكتاب . غير أني خمنته في ستين سفرا ، يعجز تحصيله الطلاب ، وسئلت تقديم كتاب وجيز على ذلك النظام ، وعمل مفرغ في قالب الإيجاز والإحكام ، مع التزام إتمام المعاني ، وإبرام المباني ، فصرفت صوب هذا القصد عناني ، وألفت هذا الكتاب محذوف الشواهد ، مطروح الزوائد ، معربا عن الفصح والشوارد ، وجعلت بتوفيق الله تعالى زفرا في زفر ، ولخصت كل ثلاثين سفرا في سفر ، وضمنته خلاصة ما في " العباب " ، و " المحكم " ، وأضفت إليه زيادات من الله تعالى بها وأنعم ، ورزقنيها عند غوصي عليها من بطون الكتب الفاخرة ، الدأماء الغطمطم ، وسميته " القاموس المحيط " ; لأنه البحر الأعظم .
ولما رأيت إقبال الناس على " صحاح "
الجوهري ، وهو جدير بذلك ، غير أنه فاته نصف اللغة أو أكثر ، إما بإهمال المادة ، أو بترك المعاني الغريبة النادة ، أردت أن يظهر للناظر بادئ بدء ، فضل كتابي هذا عليه ، فكتبت بالحمرة المادة المهملة لديه ، وفي سائر التراكيب تتضح المزية بالتوجه إليه ، ولم أذكر ذلك إشاعة للمفاخر ، بل إذاعة لقول الشاعر : "
كم ترك الأول للآخر
" .
وأنت أيها اليلمع العروف ، والمعمع اليهفوف ، إذا تأملت صنيعي هذا ، وجدته مشتملا على فرائد أثيرة ، وفوائد كثيرة : من حسن الاختصار ، وتقريب العبارة ، وتهذيب الكلام ، وإيراد المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة .
ومن أحسن ما اختص به هذا الكتاب : تخليص الواو من الياء ; وذلك قسم يسم المصنفين بالعي والإعياء . ومنها : أني لا أذكر ما جاء من جمع فاعل المعتل العين على فعلة ، إلا أن يصح موضع العين منه ، كجولة وخولة ، وأما ما جاء منه معتلا ; كباعة وسادة ، فلا أذكره لاطراده . ومن بديع اختصاره ، وحسن ترصيع تقصاره : أني إذا ذكرت صيغة المذكر ، أتبعتها
[ ص: 40 ] المؤنث بقولي : وهي بهاء ، ( ولا أعيد الصيغة ) ، وإذا ذكرت المصدر مطلقا ، أو الماضي بدون الآتي ، ولا مانع ; فالفعل على مثال كتب ، وإذا ذكرت آتيه بلا تقييد ، فهو على مثال ضرب . على أني أذهب إلى ما قال
أبو زيد : إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي يأتي ماضيها على فعل ، فأنت في المستقبل بالخيار : إن شئت قلت يفعل بضم العين ، وإن شئت قلت يفعل بكسرها ( وكل كلمة عريتها عن الضبط ; فإنها بالفتح ، إلا ما اشتهر بخلافه اشتهارا رافعا للنزاع من البين ) وما سوى ذلك ، فأقيده بصريح الكلام ، غير مقتنع بتوشيح القلام ، مكتفيا بكتابة ع ، د ، ة ، ج ، م ، عن قولي : موضع ، وبلد ، وقرية ، والجمع ، ومعروف . فتلخص ، وكل غث - إن شاء الله - عنه مصروف .
ثم إني نبهت فيه على أشياء ركب فيها
الجوهري رحمه الله خلاف الصواب ، غير طاعن فيه ، ولا قاصد بذلك تنديدا له ، وإزراء عليه ، وغضا منه ، بل استيضاحا للصواب ، واسترباحا للثواب ، وتحرزا وحذارا من أن ينمى إلي التصحيف ، أو يعزى إلي الغلط والتحريف . على أني لو رمت للنضال إيتار القوس ، لأنشدت بيتي
الطائي حبيب بن أوس . ولو لم أخش ما يلحق المزكي نفسه من المعرة والدمان ، لتمثلت بقول
أحمد بن سليمان ; أديب معرة
النعمان . ولكن أقول كما قال
nindex.php?page=showalam&ids=15153أبو العباس المبرد في " الكامل " ، وهو القائل المحق : ليس لقدم العهد يفضل القائل ، ولا لحدثانه يهتضم المصيب ، ولكن يعطى كل ما يستحق .
واختصصت كتاب
الجوهري من بين الكتب اللغوية ، مع ما في غالبها من الأوهام الواضحة ، والأغلاط الفاضحة ، لتداوله واشتهاره بخصوصه ، واعتماد المدرسين على نقوله ونصوصه .
وهذه اللغة الشريفة ، التي لم تزل ترفع العقيرة غريدة بانها ، وتصوغ ذات طوقها بقدر القدرة فنون ألحانها ، وإن دارت الدوائر على ذويها ، وأحنت على نضارة رياض عيشهم تذويها ، حتى لا لها اليوم دارس سوى الطلل في المدارس ، ولا مجاوب إلا الصدى ما بين أعلامها الدوارس ، ولكن لم يتصوح في عصف تلك البوارح نبت تلك الأباطح أصلا ورأسا ، ولم
[ ص: 41 ] تستلب الأعواد المورقة عن آخرها ، وإن أذوت الليالي غراسا . ولا تتساقط عن عذبات أفنان الألسنة ثمار اللسان العربي ، ما اتقت مصادمة هوج الزعازع بمناسبة الكتاب ودولة النبي .
ولا يشنأ هذه اللغة الشريفة إلا من اهتاف به ريح الشقاء ، ولا يختار عليها إلا من اعتاض السافية من الشحواء ، أفادتها ميامن أنفاس المستجن بطيبة طيبا ، فشدت به أيكية النطق على فنن اللسان رطيبا ، يتداولها القوم ما ثنت الشمال معاطف غصن ، ومرت الجنوب لقحة مزن ، استظلالا بدولة من رفع منارها فأعلى ، ودل على شجرة الخلد وملك لا يبلى . وكيف لا ، والفصاحة أرج بغير ثيابه لا يعبق ، والسعادة صب سوى تراب بابه لا يعشق . شعر :
إذا تنفس من واديك ريحان تأرجت من قميص الصبح أردان
وما أجدر هذا اللسان - وهو حبيب النفس ، وعشيق الطبع ، وسمير ضمير الجمع ، وقد وقف على ثنية الوداع ، وهم قبلي مزنه بالإقلاع - بأن يعتنق ضما والتزاما ، كالأحبة لدى التوديع ، ويكرم بنقل الخطوات على آثاره حالة التشييع . وإلى اليوم نال به القوم المراتب والحظوظ ، وجعلوا حماطة جلجلانهم لوحه المحفوظ . وفاح من زهر تلك الخمائل ، وإن أخطأه صوب الغيوث الهواطل ، ما تتولع به الأرواح لا الرياح ، وتزهى به الألسن لا الأغصن ، ويطلع طلعة البشر لا الشجر ، ويجلوه المنطق السحار لا الأسحار ، تصان عن الخبط أوراق عليها اشتملت ، ويترفع عن السقوط نضيج ثمر ، أشجاره احتملت ، من لطف بلاغة لسانهم ما يفضح فروع الآس رجل جعدها ماشطة الصبا ، ومن حسن بيانهم ما استلب الغصن رشاقته فقلق اضطرابا شاء أو أبى . ولله ضبابة من الخلفاء الحنفاء ، والملوك العظماء ، الذين تقلبوا في أعطاف الفضل ، وأعجبوا بالمنطق الفصل ، وتفكهوا بثمار الأدب الغض ، وأولعوا بأبكار المعاني ولع المفترع المفتض . شمل القوم اصطناعهم ، وطربت لكلمهم الغر أسماعهم ، بل أنعش الجدود العواثر ألطافهم ، واهتزت لاكتساء حلل الحمد أعطافهم ، راموا تخليد الذكر بالإنعام على الأعلام ، وأرادوا أن يعيشوا بعمر ثان بعد مشارفة الحمام . طواهم الدهر فلم يبق
[ ص: 42 ] لأعلام العلوم رافع ، ولا عن حريمها الذي هتكته الليالي مدافع ، بل زعم الشامتون بالعلم وطلابه ، والقائلون بدولة الجهل وأحزابه ، أن الزمان بمثلهم لا يجود ، وأن وقتا قد مضى بهم لا يعود . فرد عليهم الدهر مراغما أنوفهم ، وتبين الأمر بالضد جاليا حتوفهم ، فطلع صبح النجح من آفاق حسن الاتفاق ، وتباشرت أرباب تلك السلع بنفاق الأسواق ، وناهض ملوك العهد لتنفيذ الأحكام ، مالك رق العلوم وربقة الكلام ، برهان الأساطين الأعلام ، سلطان سلاطين الإسلام ، غرة وجه الليالي ، قمر براقع الترافع والتعالي ، عاقد ألوية فنون العلوم كلها ، شاهر سيوف العدل رد الغرار إلى الأجفان بسلها ، مقلد أعناق الباريا بالتحقيق طوق امتنانه ، مقرط آذان الليالي على ما بلغ المسامع شنوف بيانه ، ممهد الدين ومؤيده ، مسدد الملك ومشيده :
مولى ملوك الأرض من في وجهه مقباس نور أيما مقباس
.
بدر محيا وجهه الأسنى لنا مغن عن القمرين والنبراس
.
من أسرة شرفت وجلت فاعتلت عن أن يقاس علاؤها بقياس
.
رووا الخلافة كابرا عن كابر بصحيح إسناد بلا إلباس
.
فروى علي عن رسول مثل ما يرويه يوسف عن عمر ذي الباس
.
ورواه داود صحيحا عن عمر وروى علي عنه للجلاس
.
ورواه عباس كذلك عن علي ورواه إسماعيل عن عباس
.
تهب به على رياض المنى ريحا جنوب وشمال ، وتقيل بمكانه جنتان عن يمين وشمال ، وتشتمل على مناكب الآفاق أردية عواطفه ، وتسيل طلاع الأرض للأرفاق أودية عوارفه ، وتشمل رأفته البلاد ، والعباد ، وتضرب دون المحن والأضداد الجنن والأسداد . ولم يسع البليغ سوى سكوت الحوت بملتطم تيار بخار فوائده ، ولم ترتم جواري الزهر في البحر الأخضر إلا لتضاهي فرائد قلائده ، بحر على عذوبة مائه تملأ السفائن جواهره ، وتزهى بالجواري المنشآت من بنات الخاطر زواخره . بر سال طلاع الأرض أودية جوده ، ولم يرض للمجتدي نهرا ، وطامي عباب
[ ص: 43 ] [ ص: 44 ] الكرم يجاري نداه الرافدين وبهرا ، خضم لا يبلغ كنهه المتعمق عوض ، ولا يعطى الماهر أمانه من الغرق إن اتفق له في لجته خوض . محيط تنصب إليه الجداول فلا يرد ثمادها ، وتغترف من جمته السحب فتملأ مزادها .
فأتحفت مجلسه العالي بهذا الكتاب الذي سما إلى السماء لما تسامى ، وأنا في حمله إلى حضرته ، وإن دعي بالقاموس ، كحامل القطر إلى الدأماء ، والمهدي إلى خضارة أقل ما يكون من أنداء الماء . وها أنا أقول إن احتمله مني اعتناء ، فالزبد وإن ذهب جفاء يركب غارب البحر اعتلاء . وما أخاف على الفلك انكفاء ، وقد هبت رياح عنايته كما اشتهت السفن رخاء . وبم أعتذر من حمل الدر من
أرض الجبال إلى
عمان ، وأرى البحر يذهب ماء وجهه لو حمل برسم الخدمة إليه الجمان ، وفؤاد البحر يضطرب كاسمه رجافا لو أتحفه بالمرجان ، أو أنفذ إلى البحرين ، أعني يديه ، الجواهر الثمان ، لا زالت حضرته التي هي جزيرة بحر الجود من خالدات الجزائر ، ومقر أناس يقابلون الخرز المحمول بأنفس الجواهر ويرحم الله عبدا قال آمينا .
وكتابي هذا - بحمد الله تعالى - صريح ألفي مصنف من الكتب الفاخرة ، وسنيح ألفي قلمس من العيالم الزاخرة ، والله أسأل أن يثيبني به جميل الذكر في الدنيا ، وجزيل الأجر في الآخرة ، ضارعا إلى من ينظر من عالم في عملي ، أن يستر عثاري وزللي ، ويسد بسداد فضله خللي ، ويصلح ما طغى به القلم ، وزاغ عنه البصر ، وقصر عنه الفهم ، وغفل عنه الخاطر ، فالإنسان محل النسيان ، وإن أول ناس أول الناس ، وعلى الله تعالى التكلان .
[ ص: 37 ] مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ مُنْطِقِ الْبُلَغَاءِ بِاللُّغَى فِي الْبَوَادِي ، وَمُودِعِ اللِّسَانِ أَلْسَنَ اللُّسُنِ الْهَوَادِي ، وَمُخَصِّصِ عُرُوقِ الْقَيْصُومِ ، وَغَضَى الْقَصِيمِ بِمَا لَمْ يَنَلْهُ الْعَبْهَرُ وَالْجَادِي ، وَمُفِيضِ الْأَيَادِي بِالرَّوَائِحِ وَالْغَوَادِي ، لِلْمُجْتَدِي وَالْجَادِي ، وَنَاقِعِ غُلَّةِ الصَّوَادِي بِالْأَهَاضِيبِ الثَّوَادِي ، وَدَافِعِ مَعَرَّةِ الْعَوَادِي بِالْكَرَمِ الْمُمَادِي ، وَمُجْرِي الْأَوْدَاءِ مِنْ عَيْنِ الْعَطَاءِ لِكُلِّ صَادِي ، بَاعِثِ النَّبِيِّ الْهَادِي ، مُفْحِمًا بِاللِّسَانِ الضَّادِيِّ كُلَّ مُضَادِي ، مُفَخَّمًا لَا تَشِينُهُ الْهُجْنَةُ وَاللُّكْنَةُ وَالضَّوَادِي ،
مُحَمَّدٍ خَيْرِ مَنْ حَضَرَ النَّوَادِيَ ، وَأَفْصَحِ مَنْ رَكِبَ الْخَوَادِيَ ، وَأَبْلَغِ مَنْ حَلَبَ الْعَوَادِيَ ، بَسَقَتْ دَوْحَةُ رِسَالَتِهِ فَظَهَرَتْ عَلَى شَوْكِ الْكَوَادِي ، وَاسْتَأْسَدَتْ رِيَاضُ نُبُوَّتِهِ فَعَيَّتْ فِي الْمَآسِدِ اللُّيُوثَ الْعَوَادِيَ ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الدَّآدِي ، وَبُدُورِ الْقَوَادِي ، مَا نَاحَ الْحَمَامُ الشَّادِي ، وَسَاحَ النَّعَامُ الْقَادِي ، وَصَاحَ بِالْأَنْغَامِ
[ ص: 38 ] الْحَادِي ، وَرَشَفَتِ الطُّفَاوَةُ رُضَابَ الطَّلِّ مِنْ كِظَامِ الْجُلِّ وَالْجَادِي .
وَبَعْدُ ، فَإِنَّ لِلْعِلْمِ رِيَاضًا وَحِيَاضًا ، وَخَمَائِلَ وَغِيَاضًا ، وَطَرَائِقَ وَشِعَابًا ، وَشَوَاهِقَ وَهِضَابًا . يَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ أَصْلٍ مِنْهُ أَفْنَانٌ وَفُنُونٌ ، وَيَنْشَقُّ عَنْ كُلِّ دَوْحَةٍ مِنْهُ خِيطَانٌ وَغُصُونٌ ، وَإِنَّ عِلْمَ اللُّغَةِ هُوَ الْكَافِلُ بِإِبْرَازِ أَسْرَارِ الْجَمِيعِ ، الْحَافِلُ بِمَا يَتَضَلَّعُ مِنْهُ الْقَاحِلُ وَالْكَاهِلُ ، وَالْفَاقِعُ وَالرَّضِيعُ ، وَإِنَّ بَيَانَ الشَّرِيعَةِ لَمَّا كَانَ مَصْدَرُهُ عَنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَكَانَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِحْكَامِ الْعِلْمِ بِمُقَدَّمَتِهِ ، وَجَبَ عَلَى رُوَّامِ الْعِلْمِ وَطُلَّابِ الْأَثَرِ ، أَنْ يَجْعَلُوا عُظْمَ اجْتِهَادِهِمْ وَاعْتِمَادِهِمْ ، وَأَنْ يَصْرِفُوا جُلَّ عِنَايَتِهِمْ فِي ارْتِيَادِهِمْ إِلَى عِلْمِ اللُّغَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِوُجُوهِهَا ، وَالْوُقُوفِ عَلَى مُثُلِهَا وَرُسُومِهَا . وَقَدْ عُنِيَ بِهِ مِنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ فِي كُلِّ عَصْرٍ عِصَابَةٌ ، هُمْ أَهْلُ الْإِصَابَةِ ، أَحْرَزُوا دَقَائِقَهُ ، وَأَبْرَزُوا حَقَائِقَهُ ، وَعَمَرُوا دِمَنَهُ ، وَفَرَعُوا قُنَنَهُ ، وَقَنَصُوا شَوَارِدَهُ ، وَنَظَمُوا قَلَائِدَهُ ، وَأَرْهَفُوا مَخَاذِمَ الْبَرَاعَةِ ، وَأَرْعَفُوا مَخَاطِمَ الْيَرَاعَةِ ، فَأَلَّفُوا وَأَفَادُوا ، وَصَنَّفُوا وَأَجَادُوا ، وَبَلَغُوا مِنَ الْمَقَاصِدِ قَاصِيَتَهَا ، وَمَلَكُوا مِنَ الْمَحَاسِنِ نَاصِيَتَهَا ، جَزَاهُمُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ ، وَأَحَلَّهُمْ مِنْ رِيَاضِ الْقُدْسِ مِيطَانَهُ .
هَذَا ، وَإِنِّي قَدْ نَبَغْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ قَدِيمًا ، وَصَبَغْتُ بِهِ أَدِيمًا ، وَلَمْ أَزَلْ فِي خِدْمَتِهِ مُسْتَدِيمًا ، وَكُنْتُ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ أَلْتَمِسُ كِتَابًا جَامِعًا بَسِيطًا ، وَمُصَنَّفًا عَلَى الْفُصَحِ وَالشَّوَارِدِ مُحِيطًا ، وَلَمَّا أَعْيَانِي الطَّلَابُ ، شَرَعْتُ فِي كِتَابِي الْمَوْسُومِ بِ " اللَّامِعِ الْمُعْلَمِ الْعُجَابِ ، الْجَامِعِ بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْعُبَابِ " ، فَهُمَا غُرَّتَا الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَنَيِّرَا بَرَاقِعِ الْفَضْلِ وَالْآدَابِ ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهِمَا زِيَادَاتٍ امْتَلَأَ بِهَا الْوِطَابُ ، وَاعْتَلَى مِنْهَا الْخِطَابُ ، فَفَاقَ كُلَّ مُؤَلَّفٍ فِي هَذَا
[ ص: 39 ] الْفَنِّ هَذَا الْكِتَابُ . غَيْرَ أَنِّي خَمَّنْتُهُ فِي سِتِّينَ سِفْرًا ، يُعْجِزُ تَحْصِيلُهُ الطُّلَّابَ ، وَسُئِلْتُ تَقْدِيمَ كِتَابٍ وَجِيزٍ عَلَى ذَلِكَ النِّظَامِ ، وَعَمَلٍ مُفْرَغٍ فِي قَالَبِ الْإِيجَازِ وَالْإِحْكَامِ ، مَعَ الْتِزَامِ إِتْمَامِ الْمَعَانِي ، وَإِبْرَامِ الْمَبَانِي ، فَصَرَفْتُ صَوْبَ هَذَا الْقَصْدِ عِنَانِي ، وَأَلَّفْتُ هَذَا الْكِتَابَ مَحْذُوفَ الشَّوَاهِدِ ، مَطْرُوحَ الزَّوَائِدِ ، مُعْرِبًا عَنِ الْفُصَحِ وَالشَّوَارِدِ ، وَجَعَلْتُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى زُفَرًا فِي زِفْرٍ ، وَلَخَّصْتُ كُلَّ ثَلَاثِينَ سِفْرًا فِي سِفْرٍ ، وَضَمَّنْتُهُ خُلَاصَةَ مَا فِي " الْعُبَابِ " ، وَ " الْمُحْكَمِ " ، وَأَضَفْتُ إِلَيْهِ زِيَادَاتٍ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا وَأَنْعَمَ ، وَرَزَقَنِيهَا عِنْدَ غَوْصِي عَلَيْهَا مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ الْفَاخِرَةِ ، الدَّأْمَاءِ الْغَطَمْطَمِ ، وَسَمَّيْتُهُ " الْقَامُوسَ الْمُحِيطَ " ; لِأَنَّهُ الْبَحْرُ الْأَعْظَمُ .
وَلَمَّا رَأَيْتُ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَى " صِحَاحِ "
الْجَوْهَرِيِّ ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ ، غَيْرَ أَنَّهُ فَاتَهُ نِصْفُ اللُّغَةِ أَوْ أَكْثَرُ ، إِمَّا بِإِهْمَالِ الْمَادَّةِ ، أَوْ بِتَرْكِ الْمَعَانِي الْغَرِيبَةِ النَّادَّةِ ، أَرَدْتُ أَنْ يَظْهَرَ لِلنَّاظِرِ بَادِئَ بَدْءٍ ، فَضْلُ كِتَابِي هَذَا عَلَيْهِ ، فَكَتَبْتُ بِالْحُمْرَةِ الْمَادَّةَ الْمُهْمَلَةَ لَدَيْهِ ، وَفِي سَائِرِ التَّرَاكِيبِ تَتَّضِحُ الْمَزِيَّةُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ ، وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ إِشَاعَةً لِلْمَفَاخِرِ ، بِلْ إِذَاعَةً لِقَوْلِ الشَّاعِرِ : "
كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ
" .
وَأَنْتَ أَيُّهَا الْيَلْمَعُ الْعَرُوفُ ، وَالْمَعْمَعُ الْيَهْفُوفُ ، إِذَا تَأَمَّلْتَ صَنِيعِي هَذَا ، وَجَدْتَهُ مُشْتَمِلًا عَلَى فَرَائِدَ أَثِيرَةٍ ، وَفَوَائِدَ كَثِيرَةٍ : مِنْ حُسْنِ الِاخْتِصَارِ ، وَتَقْرِيبِ الْعِبَارَةِ ، وَتَهْذِيبِ الْكَلَامِ ، وَإِيرَادِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ .
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا اخْتَصَّ بِهِ هَذَا الْكِتَابُ : تَخْلِيصُ الْوَاوِ مِنَ الْيَاءِ ; وَذَلِكَ قِسْمٌ يَسِمُ الْمُصَنِّفِينَ بِالْعِيِّ وَالْإِعْيَاءِ . وَمِنْهَا : أَنِّي لَا أَذْكُرُ مَا جَاءَ مِنْ جَمْعِ فَاعِلِ الْمُعْتَلِّ الْعَيْنِ عَلَى فَعَلَةٍ ، إِلَّا أَنْ يَصِحَّ مَوْضِعُ الْعَيْنِ مِنْهُ ، كَجَوَلَةٍ وَخَوَلَةٍ ، وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنْهُ مُعْتَلًّا ; كَبَاعَةٍ وَسَادَةٍ ، فَلَا أَذْكُرُهُ لِاطِّرَادِهِ . وَمِنْ بَدِيعِ اخْتِصَارِهِ ، وَحُسْنِ تَرْصِيعِ تِقْصَارِهِ : أَنِّي إِذَا ذَكَرْتُ صِيغَةَ الْمُذَكَّرِ ، أَتْبَعْتُهَا
[ ص: 40 ] الْمُؤَنَّثَ بِقَوْلِي : وَهِيَ بِهَاءٍ ، ( وَلَا أُعِيدُ الصِّيغَةَ ) ، وَإِذَا ذَكَرْتُ الْمَصْدَرَ مُطْلَقًا ، أَوِ الْمَاضِيَ بِدُونِ الْآتِي ، وَلَا مَانِعَ ; فَالْفِعْلُ عَلَى مِثَالِ كَتَبَ ، وَإِذَا ذَكَرْتُ آتِيَهُ بِلَا تَقْيِيدٍ ، فَهُوَ عَلَى مِثَالِ ضَرَبَ . عَلَى أَنِّي أَذْهَبُ إِلَى مَا قَالَ
أَبُو زَيْدٍ : إِذَا جَاوَزْتَ الْمَشَاهِيرَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَأْتِي مَاضِيهَا عَلَى فَعَلَ ، فَأَنْتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالْخِيَارِ : إِنْ شِئْتَ قُلْتَ يَفْعُلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا ( وَكُلُّ كَلِمَةٍ عَرَّيْتَهَا عَنِ الضَّبْطِ ; فَإِنَّهَا بِالْفَتْحِ ، إِلَّا مَا اشْتُهِرَ بِخِلَافِهِ اشْتِهَارًا رَافِعًا لِلنِّزَاعِ مِنَ الْبَيْنِ ) وَمَا سِوَى ذَلِكَ ، فَأُقَيِّدُهُ بِصَرِيحِ الْكَلَامِ ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِتَوْشِيحٍ الْقِلَامِ ، مُكْتَفِيًا بِكِتَابَةِ ع ، د ، ة ، ج ، م ، عَنْ قَوْلِي : مَوْضِعٌ ، وَبَلَدٌ ، وَقَرْيَةٌ ، وَالْجَمْعُ ، وَمَعْرُوفٌ . فَتَلَخَّصَ ، وَكُلُّ غَثٍّ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَنْهُ مَصْرُوفٌ .
ثُمَّ إِنِّي نَبَّهْتُ فِيهِ عَلَى أَشْيَاءَ رَكِبَ فِيهَا
الْجَوْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ خِلَافَ الصَّوَابِ ، غَيْرَ طَاعِنٍ فِيهِ ، وَلَا قَاصِدٍ بِذَلِكَ تَنْدِيدًا لَهُ ، وَإِزْرَاءً عَلَيْهِ ، وَغَضًّا مِنْهُ ، بَلِ اسْتِيضَاحًا لِلصَّوَابِ ، وَاسْتِرْبَاحًا لِلثَّوَابِ ، وَتَحَرُّزًا وَحِذَارًا مِنْ أَنْ يُنْمَى إِلَيَّ التَّصْحِيفُ ، أَوْ يُعْزَى إِلَيَّ الْغَلَطُ وَالتَّحْرِيفُ . عَلَى أَنِّي لَوْ رُمْتُ لِلنِّضَالِ إِيتَارَ الْقَوْسِ ، لَأَنْشَدْتُ بَيْتَيِ
الطَّائِيِّ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ . وَلَوْ لَمْ أَخْشَ مَا يَلْحَقُ الْمُزَكِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَرَّةِ وَالدَّمَانِ ، لَتَمَثَّلْتُ بِقَوْلِ
أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ; أَدِيبِ مَعَرَّةِ
النُّعْمَانِ . وَلَكِنْ أَقُولُ كَمَا قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=15153أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ فِي " الْكَامِلِ " ، وَهُوَ الْقَائِلُ الْمُحِقُّ : لَيْسَ لِقِدَمِ الْعَهْدِ يُفَضَّلُ الْقَائِلُ ، وَلَا لِحِدْثَانِهِ يُهْتَضَمُ الْمُصِيبُ ، وَلَكِنْ يُعْطَى كُلٌّ مَا يَسْتَحِقُّ .
وَاخْتَصَصْتُ كِتَابَ
الْجَوْهَرِيِّ مِنْ بَيْنِ الْكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ ، مَعَ مَا فِي غَالِبِهَا مِنَ الْأَوْهَامِ الْوَاضِحَةِ ، وَالْأَغْلَاطِ الْفَاضِحَةِ ، لِتَدَاوُلِهِ وَاشْتِهَارِهِ بِخُصُوصِهِ ، وَاعْتِمَادِ الْمُدَرِّسِينَ عَلَى نُقُولِهِ وَنُصُوصِهِ .
وَهَذِهِ اللُّغَةُ الشَّرِيفَةُ ، الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَرْفَعُ الْعَقِيرَةَ غِرِّيدَةُ بَانِهَا ، وَتَصُوغُ ذَاتُ طَوْقِهَا بِقَدْرِ الْقُدْرَةِ فُنُونَ أَلْحَانِهَا ، وَإِنْ دَارَتِ الدَّوَائِرُ عَلَى ذَوِيهَا ، وَأَحَنَّتْ عَلَى نَضَارَةِ رِيَاضِ عَيْشِهِمْ تُذْوِيهَا ، حَتَّى لَا لَهَا الْيَوْمَ دَارِسٌ سِوَى الطَّلَلِ فِي الْمَدَارِسِ ، وَلَا مُجَاوِبَ إِلَّا الصَّدَى مَا بَيْنَ أَعْلَامِهَا الدَّوَارِسِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَصَوَّحْ فِي عَصْفِ تِلْكَ الْبَوَارِحِ نَبْتُ تِلْكَ الْأَبَاطِحِ أَصْلًا وَرَأْسًا ، وَلَمْ
[ ص: 41 ] تُسْتَلَبِ الْأَعْوَادُ الْمُورِقَةُ عَنْ آخِرِهَا ، وَإِنْ أَذْوَتِ اللَّيَالِي غِرَاسًا . وَلَا تَتَسَاقَطُ عَنْ عَذَبَاتِ أَفْنَانِ الْأَلْسِنَةِ ثِمَارُ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ ، مَا اتَّقَتْ مُصَادَمَةَ هُوجِ الزَّعَازِعِ بِمُنَاسَبَةِ الْكِتَابِ وَدَوْلَةِ النَّبِيِّ .
وَلَا يَشْنَأُ هَذِهِ اللُّغَةَ الشَّرِيفَةَ إِلَّا مَنِ اهْتَافَ بِهِ رِيحُ الشَّقَاءِ ، وَلَا يَخْتَارُ عَلَيْهَا إِلَّا مَنِ اعْتَاضَ السَّافِيَةَ مِنَ الشَّحْوَاءِ ، أَفَادَتْهَا مُيَامِنُ أَنْفَاسِ الْمُسْتَجِنِّ بِطَيْبَةَ طِيبًا ، فَشَدَتْ بِهِ أَيْكِيَّةُ النُّطْقِ عَلَى فَنَنِ اللِّسَانِ رَطِيبًا ، يَتَدَاوَلُهَا الْقَوْمُ مَا ثَنَتِ الشِّمَالُ مَعَاطِفَ غُصْنٍ ، وَمَرَتِ الْجَنُوبُ لِقْحَةَ مُزْنٍ ، اسْتِظْلَالًا بِدَوْلَةِ مَنْ رَفَعَ مَنَارَهَا فَأَعْلَى ، وَدَلَّ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى . وَكَيْفَ لَا ، وَالْفَصَاحَةُ أَرَجٌ بِغَيْرِ ثِيَابِهِ لَا يَعْبَقُ ، وَالسَّعَادَةُ صَبٌّ سِوَى تُرَابِ بَابِهِ لَا يَعْشَقُ . شِعْرٌ :
إِذَا تَنَفَّسَ مِنْ وَادِيكَ رَيْحَانُ تَأَرَّجَتْ مِنْ قَمِيصِ الصُّبْحِ أَرْدَانُ
وَمَا أَجْدَرَ هَذَا اللِّسَانَ - وَهُوَ حَبِيبُ النَّفْسِ ، وَعَشِيقُ الطَّبْعِ ، وَسَمِيرُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَى ثَنْيَةِ الْوَدَاعِ ، وَهَمَّ قِبْلِيُّ مَزْنِهِ بِالْإِقْلَاعِ - بِأَنْ يُعْتَنَقَ ضَمًّا وَالْتِزَامًا ، كَالْأَحِبَّةِ لَدَى التَّوْدِيعِ ، وَيُكْرَمَ بِنَقْلِ الْخُطُوَاتِ عَلَى آثَارِهِ حَالَةَ التَّشْيِيعِ . وَإِلَى الْيَوْمِ نَالَ بِهِ الْقَوْمُ الْمَرَاتِبَ وَالْحُظُوظَ ، وَجَعَلُوا حَمَاطَةَ جُلْجُلَانِهِمْ لَوْحَهُ الْمَحْفُوظَ . وَفَاحَ مِنْ زَهْرِ تِلْكَ الْخَمَائِلِ ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ صَوْبُ الْغُيُوثِ الْهَوَاطِلِ ، مَا تَتَوَلَّعُ بِهِ الْأَرْوَاحُ لَا الرِّيَاحُ ، وَتُزْهَى بِهِ الْأَلْسُنُ لَا الْأَغْصُنُ ، وَيُطْلِعُ طَلْعَةَ الْبَشَرِ لَا الشَّجَرِ ، وَيَجْلُوهُ الْمَنْطِقُ السَّحَّارُ لَا الْأَسْحَارُ ، تُصَانُ عَنِ الْخَبْطِ أَوْرَاقٌ عَلَيْهَا اشْتَمَلَتْ ، وَيَتَرَفَّعُ عَنِ السُّقُوطِ نَضِيجُ ثَمَرٍ ، أَشْجَارُهُ احْتَمَلَتْ ، مِنْ لُطْفِ بَلَاغَةِ لِسَانِهِمْ مَا يَفْضَحُ فُرُوعَ الْآسِ رَجَّلَ جَعْدَهَا مَاشِطَةُ الصَّبَا ، وَمِنْ حُسْنِ بَيَانِهِمْ مَا اسْتَلَبَ الْغُصْنَ رَشَاقَتَهُ فَقَلِقَ اضْطِرَابًا شَاءَ أَوْ أَبَى . وَلِلَّهِ ضُبَابَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الْحُنَفَاءِ ، وَالْمُلُوكِ الْعُظَمَاءِ ، الَّذِينَ تَقَلَّبُوا فِي أَعْطَافِ الْفَضْلِ ، وَأُعْجِبُوا بِالْمَنْطِقِ الْفَصْلِ ، وَتَفَكَّهُوا بِثِمَارِ الْأَدَبِ الْغَضِّ ، وَأُولِعُوا بِأَبْكَارِ الْمَعَانِي وَلَعَ الْمُفْتَرِعِ الْمُفْتَضِّ . شَمِلَ الْقَوْمَ اصْطِنَاعُهُمْ ، وَطَرِبَتْ لَكَلِمِهِمُ الْغُرِّ أَسْمَاعُهُمْ ، بَلْ أَنْعَشَ الْجُدُودَ الْعَوَاثِرَ أَلْطَافُهُمْ ، وَاهْتَزَّتْ لِاكْتِسَاءِ حُلَلِ الْحَمْدِ أَعَطَافُهُمْ ، رَامُوا تَخْلِيدَ الذِّكْرِ بِالْإِنْعَامِ عَلَى الْأَعْلَامِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَعِيشُوا بِعُمُرٍ ثَانٍ بَعْدَ مُشَارَفَةِ الْحَمَامِ . طَوَاهُمُ الدَّهْرُ فَلَمْ يَبْقَ
[ ص: 42 ] لِأَعْلَامِ الْعُلُومِ رَافِعٌ ، وَلَا عَنْ حَرِيمِهَا الَّذِي هَتَكَتْهُ اللَّيَالِي مُدَافِعُ ، بَلْ زَعَمَ الشَّامِتُونَ بِالْعِلْمِ وَطُلَّابِهِ ، وَالْقَائِلُونَ بِدَوْلَةِ الْجَهْلِ وَأَحْزَابِهِ ، أَنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِمْ لَا يَجُودُ ، وَأَنَّ وَقْتًا قَدْ مَضَى بِهِمْ لَا يَعُودُ . فَرَدَّ عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ مُرَاغِمًا أُنُوفَهُمْ ، وَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِالضِّدِّ جَالِيًا حُتُوفَهُمْ ، فَطَلَعَ صُبْحُ النُّجْحِ مِنْ آفَاقِ حُسْنِ الِاتِّفَاقِ ، وَتَبَاشَرَتْ أَرْبَابُ تِلْكَ السِّلَعِ بِنِفَاقِ الْأَسْوَاقِ ، وَنَاهَضَ مُلُوكَ الْعَهْدِ لِتَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ ، مَالِكُ رِقِّ الْعُلُومِ وَرِبْقَةِ الْكَلَامِ ، بُرْهَانُ الْأَسَاطِينِ الْأَعْلَامِ ، سُلْطَانُ سَلَاطِينِ الْإِسْلَامِ ، غُرَّةُ وَجْهِ اللَّيَالِي ، قَمَرُ بِرَاقِعِ التَّرَافُعِ وَالتَّعَالِي ، عَاقِدُ أَلْوِيَةِ فُنُونِ الْعُلُومِ كُلِّهَا ، شَاهِرُ سُيُوفِ الْعَدْلِ رَدَّ الْغِرَارَ إِلَى الْأَجْفَانِ بِسَلِّهَا ، مُقَلِّدُ أَعْنَاقِ الْبَارِيَا بِالتَّحْقِيقِ طَوْقَ امْتِنَانِهِ ، مُقَرِّطُ آذَانِ اللَّيَالِي عَلَى مَا بَلَغَ الْمَسَامِعَ شُنُوفَ بَيَانِهِ ، مُمَهِّدُ الدِّينِ وَمُؤَيِّدُهُ ، مُسَدِّدُ الْمُلِكِ وَمُشَيِّدُهُ :
مَوْلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ مَنْ فِي وَجْهِهِ مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّمَا مِقْبَاسِ
.
بَدْرُ مُحَيَّا وَجْهِهِ الْأَسْنَى لَنَا مُغْنٍ عَنِ الْقَمَرَيْنِ وَالنِّبْرَاسِ
.
مِنْ أُسْرَةٍ شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فَاعْتَلَتْ عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَاؤُهَا بِقِيَاسِ
.
رَوَوُا الْخِلَافَةَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ بِصَحِيحِ إِسْنَادٍ بِلَا إِلْبَاسِ
.
فَرَوَى عَلِيٌّ عَنْ رَسُولٍ مِثْلَ مَا يَرْوِيهِ يُوسُفُ عَنْ عُمَرْ ذِي الْبَاسِ
.
وَرَوَاهُ دَاوُدُ صَحِيحًا عَنْ عُمَرْ وَرَوَى عَلَيٌّ عَنْهُ لِلْجُلَّاسِ
.
وَرَوَاهُ عَبَّاسٌ كَذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبَّاسٍ
.
تَهُبُّ بِهِ عَلَى رِيَاضِ الْمُنَى رِيحَا جَنُوبٍ وَشِمَالٍ ، وَتَقِيلُ بِمَكَانِهِ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ ، وَتَشْتَمِلُ عَلَى مَنَاكِبِ الْآفَاقِ أَرْدِيَةُ عَوَاطِفِهِ ، وَتَسِيلُ طِلَاعَ الْأَرْضِ لِلْأَرْفَاقِ أَوْدِيَةُ عَوَارِفِهِ ، وَتَشْمَلُ رَأْفَتُهُ الْبِلَادَ ، وَالْعِبَادَ ، وَتَضْرِبُ دُونَ الْمِحَنِ وَالْأَضْدَادِ الْجُنَنَ وَالْأَسْدَادَ . وَلَمْ يَسَعَ الْبَلِيغَ سِوَى سُكُوتِ الْحُوتِ بِمُلْتَطِمِ تَيَّارِ بُخَارِ فَوَائِدِهِ ، وَلَمْ تَرْتَمِ جَوَارِي الزُّهْرِ فِي الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ إِلَّا لِتُضَاهِيَ فَرَائِدَ قَلَائِدِهِ ، بَحْرٌ عَلَى عُذُوبَةِ مَائِهِ تَمْلَأُ السَّفَائِنَ جَوَاهِرُهُ ، وَتُزْهَى بِالْجَوَارِي الْمُنْشَآتِ مِنْ بَنَاتِ الْخَاطِرِ زَوَاخِرُهُ . بَرٌّ سَالَ طِلَاعَ الْأَرْضِ أَوْدِيَةُ جُودِهِ ، وَلَمْ يَرْضَ لِلْمُجْتَدِي نَهْرًا ، وَطَامِي عُبَابِ
[ ص: 43 ] [ ص: 44 ] الْكَرَمِ يُجَارِي نَدَاهُ الرَّافِدَيْنِ وَبَهْرَا ، خِضَمٌّ لَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْمُتَعَمِّقَ عَوْضٌ ، وَلَا يُعْطَى الْمَاهِرُ أَمَانَهُ مِنَ الْغَرَقِ إِنِ اتَّفَقَ لَهُ فِي لُجَّتِهِ خَوْضٌ . مُحِيطٌ تَنْصَبُّ إِلَيْهِ الْجَدَاوِلُ فَلَا يَرُدُّ ثِمَادَهَا ، وَتَغْتَرِفُ مِنْ جُمَّتِهِ السُّحْبُ فَتَمْلَأُ مَزَادَهَا .
فَأَتْحَفْتُ مَجْلِسَهُ الْعَالِيَ بِهَذَا الْكِتَابِ الَّذِي سَمَا إِلَى السَّمَاءِ لَمَّا تَسَامَى ، وَأَنَا فِي حَمْلِهِ إِلَى حَضْرَتِهِ ، وَإِنْ دُعِيَ بِالْقَامُوسِ ، كَحَامِلِ الْقُطْرِ إِلَى الدَّأْمَاءِ ، وَالْمُهْدِي إِلَى خُضَارَةٍ أَقَلَّ مَا يَكُونُ مِنْ أَنْدَاءِ الْمَاءِ . وَهَا أَنَا أَقُولُ إِنِ احْتَمَلَهُ مِنِّي اعْتِنَاءً ، فَالزَّبَدُ وَإِنْ ذَهَبَ جُفَاءً يَرْكَبُ غَارِبَ الْبَحْرِ اعْتِلَاءٌ . وَمَا أَخَافُ عَلَى الْفُلْكِ انْكِفَاءً ، وَقَدْ هَبَّتْ رِيَاحُ عِنَايَتِهِ كَمَا اشْتَهَتِ السُّفُنُ رُخَاءً . وَبِمَ أَعْتَذِرُ مِنْ حَمْلِ الدُّرِّ مِنْ
أَرْضِ الْجِبَالِ إِلَى
عُمَانَ ، وَأَرَى الْبَحْرَ يَذْهَبُ مَاءُ وَجْهِهِ لَوْ حَمَلَ بِرَسْمِ الْخِدْمَةِ إِلَيْهِ الْجُمَانَ ، وَفُؤَادُ الْبَحْرِ يَضْطَرِبُ كَاسْمِهِ رَجَّافًا لَوْ أَتْحَفَهُ بِالْمَرْجَانِ ، أَوْ أَنْفَذَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، أَعْنِي يَدَيْهِ ، الْجَوَاهِرَ الثِّمَانَ ، لَا زَالَتْ حَضْرَتُهُ الَّتِي هِيَ جَزِيرَةُ بَحْرِ الْجُودِ مِنْ خَالِدَاتِ الْجَزَائِرِ ، وَمَقَرَّ أُنَاسٍ يُقَابِلُونَ الْخَرَزَ الْمَحْمُولَ بِأَنْفَسِ الْجَوَاهِرِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا .
وَكِتَابِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى - صَرِيحُ أَلْفَيْ مُصَنَّفٍ مِنَ الْكُتُبِ الْفَاخِرَةِ ، وَسَنِيحُ أَلْفَيْ قَلَمَّسٍ مِنَ الْعَيَالِمِ الزَّاخِرَةِ ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُثِيبَنِي بِهِ جَمِيلَ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا ، وَجَزِيلَ الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ ، ضَارِعًا إِلَى مَنْ يَنْظُرُ مِنْ عَالِمٍ فِي عَمَلِي ، أَنْ يَسْتُرَ عِثَارِي وَزَلَلِي ، وَيَسُدَّ بِسَدَادِ فَضْلِهِ خَلَلِي ، وَيُصْلِحَ مَا طَغَى بِهِ الْقَلَمُ ، وَزَاغَ عَنْهُ الْبَصَرُ ، وَقَصَرَ عَنْهُ الْفَهْمُ ، وَغَفَلَ عَنْهُ الْخَاطِرُ ، فَالْإِنْسَانُ مَحَلُّ النِّسْيَانِ ، وَإِنَّ أَوَّلَ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ ، وَعَلَى اللَّهِ تَعَالَى التُّكْلَانُ .