ص ( وشرط عاقده تمييز إلا بسكر فتردد )
ش : لما فرغ من الكلام على الركن الأول من أركان البيع الذي هو الصيغة أتبع ذلك بالكلام على الركن الثاني وهو العاقد ، وتقدم أن المراد به البائع والمشتري ، والضمير المضاف إليه عائد إلى البيع ، وفي الكلام حذف والمعنى أنه هذا أقرب إلى لفظه من قول الشارح يعني أنه يشترط في صحة بيع عاقد البيع التمييز ، وإن كان المعنى واحدا ، وعلم أن ذلك شرط في صحة البيع من عطفه عليه شرط اللزوم ، وإذا كان شرط عاقده التمييز فلا ينعقد يشترط في انعقاد البيع أن يكون عاقده مميزا ولا شراؤه ، فإن كان عدم تمييزه لسكر أدخله على نفسه ففي انعقاد بيعه وشرائه تردد إذ اختلف المتأخرون في نقل المذهب في ذلك قال بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء ابن عبد السلام في شرح قول وشرطه التمييز وقيل : إلا السكران يعني أنه يشترط في العاقد أن يكون مميزا ، ولا يشترط العقل فيدخل الصبي ويخرج السكران لوجود التمييز في الصبي وفقده من السكران والعقل مفقود منهما ا هـ . ابن الحاجب
وقال في التوضيح أي أن يكون مميزا فلا ينعقد بيع غير مميز ولا شراؤه لصغر أو جنون أو إغماء أو سكر ، ولا إشكال في الصبي والمجنون والمغمى عليه ، وأما السكران فهو مقتضى ما ذكر شرط صحة بيع العاقد وشرائه فإنه قال : ومن الغرر ابن شعبان إذا كان سكره متيقنا ، ويحلف بالله ما عقل حين فعل ذلك ثم لا يجوز ذلك عليه قال بيع السكران وابتياعه المصنف : [ ص: 242 ] وظاهره أنه لا ينعقد ; لأنه جعله من الغرر ا هـ .
( قلت ) : نحوه في الجواهر قال : فيها الركن الثاني العاقد وشرطه التمييز فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو إغماء وكذلك السكران إذا كان سكره متحققا قال أبو إسحاق : ويحلف بالله مع ذلك ما عقل حين فعل ثم لا يجوز عليه ، وقال ابن نافع : ينعقد بيع السكران ، والجمهور على خلافه ا هـ .
وتبعه ، وتقدم لفظه ، وهكذا قال ابن الحاجب ابن راشد : في المذهب إن لا ينعقد على المشهور ، وقال بيع السكران المحقق السكر ابن نافع : ينعقد ا هـ . ثم قال في التوضيح : إثر كلامه السابق والذي ذكره صاحب البيان وصاحب الإكمال أن مذهب ، وعامة أصحابه أنه لا تلزمه عقوده ، وتأول مالك ابن رشد قول في العتبية في نكاحه لا أراه جائزا على أن معناه لا أراه لازما أنه فاسد وقال في موضع آخر : لا يقال في بيع السكران أن مذهب مالك أنه غير منعقد ، وإنما يقال إنه غير لازم ا هـ . مالك
كلام التوضيح فقول المصنف إلا بسكر فتردد مستثنى من محذوف دل عليه الكلام السابق أي فلا ينعقد بيع غير المميز إلا أن يكون عدم تمييزه بسكر أدخله على نفسه ففي انعقاد بيعه تردد أي طريقان فطريقة ابن شعبان وابن شاس ، ومن تبعهم أنه غير منعقد وطريقة وابن الحاجب الباجي وابن رشد وصاحب الإكمال أنه منعقد على ما نقله المصنف في التوضيح ( تنبيهات الأول ) : ما ذكره المصنف عن ابن رشد ، وهو في شرح أول مسألة من كتاب النكاح ذكر فيها الكلام الأول ، والثاني ، والثالث إلا أن كلامه يقتضي أن هذا كله في السكران الذي معه بقية من عقله ، وظاهر كلام المصنف في التوضيح يقتضي أن كلام ابن رشد الذي ذكره في السكران الذي لا يميز ، ونص كلام ابن رشد سكران لا يعرف الأرض من السماء ، ولا الرجل من المرأة فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله ، وأقواله فيما بينه وبين الله ، وفيما بينه ، وبين الناس إلا فيما ذهب وقته من الصلوات فقيل إنه لا يسقط عنه بخلاف المجنون من أجل أنه أدخل السكر عليه ، فكأنه تعمد تركها ، والثاني السكران قسمان فاختلف أهل العلم في أقواله وأفعاله على أربعة أقوال أحدها أنه كالمجنون فلا يحد ولا يقتص منه ، ولا يلزمه بيع ولا عتق ، ولا طلاق ، ولا شيء من الأشياء ، وهو قول السكران المختلط الذي معه بقية من عقله محمد بن عبد الحكم ، واختاره وأبي يوسف . الطحاوي
والثاني أنه كالصحيح ; لأن معه بقية من عقله ، وهو قول ابن نافع أنه يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره ، وهو مذهب الشافعي والثالث تلزمه الأفعال ، ولا تلزمه الأقوال فيقتل بمن قتل ويحد في الزنا ، والسرقة ، ولا يحد في القذف ، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ، وهو قول وأبي حنيفة والرابع تلزمه الجنايات ، والعتق والطلاق ، والحدود ، ولا يلزمه الإقرارات ، والعقود ، وهو مذهب الليث ، وعامة أصحابه ، وهو أظهر الأقوال ، وأولاها بالصواب ; لأن ما لا يتعلق به حق الله من الإقرارات ، والعقود إذا لم يلزم السفيه والصبي لنقصان عقلهما فأحرى أن لا يلزم السكران لنقصان عقله بالسكر ، وما سوى ذلك مما يتعلق به حق الله يلزمه ، ولا يسقط قياسا على ما أجمعوا عليه من أن العبادات من الصوم والصلاة تلزمه ، وقول مالك في أول المسألة في نكاحه لا أراه جائزا ليس معناه أنه عقد فاسد إنما معناه لا أراه جائزا عليه ، ولا لازما له إن أراد الرجوع فيه وادعى أنه لا يعرف قدر ما عقده من ذلك على نفسه من أجل سكره ، وذلك إذا أقر له خصمه بما ادعاه . مالك
وأما إن أنكره فلا يصدق ، ويلزمه النكاح إلا أن تكون له بينة أنه كان سكران لا يعقل ، واختلف إن قالت البينة أنها رأت منه اختلاطا ولم تثبت الشهادة بسكره على قولين أنه يحلف ، ولا يلزمه النكاح ، ورواه زياد عن وقاله في المبسوط ، ومثله مالك على ما في سماع المريض يطلق ثم يدعي أنه لم يكن في عقله ابن القاسم من طلاق [ ص: 243 ] السنة ، والأيمان ، والطلاق ( والثاني ) : أنه لا يصدق ، ولا يمكن من اليمين ، ويلزمه النكاح وهو دليل قول في هذه الرواية . أشهب
وقول ، ولا يجوز نكاحه ، ولا بيعه ، ولا هبته ، ولا إقراره بالدين معناه أنه لا يلزمه شيء من ذلك ، وله أن يرجع عنه إذا ما أفاق على ما بيناه من مذهب سحنون ، وقوله الكتابة ، والتدبير كالعتق والحدود في لزومه إياه صحيح على مذهب مالك ، وأما ، وصيته بالعتق ، وغيره فالصحيح على مذهب مالك أنها جائزة على القول الذي رجع إليه مالك لأن حكم وصيته حكم ما عقده على نفسه من البيع ، وغيره . سحنون
ولا يقال في شيء من ذلك على مذهب أنه غير منعقد عليه وإنما يقال فيه على مذهبه أنه غير لازم له إن أراد الرجوع فيه إذا ما أفاق من سكره فإذا لم يرجع في وصيته حتى مات ، وجب أن تنفذ كما تنفذ وصية الصحيح وقول مالك غلط انتهى باختصار . سحنون
وأكثره باللفظ ، وكلام صاحب الإكمال أصله للمازري وهو يقتضي أنه إنما تكلم على من معه بقية من عقله قال في كتاب البيوع : من المعلم : ففيها عندنا قولان جمهور أصحابنا على أنه لا يلزمه ; لأنه بسكره نقص ميزه في معرفته بالمصالح كالسفيه والسفيه لا يلزمه بيعه ، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه تلزمه بياعاته انتهى . وأما بياعاته
وقال الباجي في المنتقى : بعد أن ذكر لفظ الموطإ بلزوم السكران طلاقه ، والذي عندي في هذا أن السكران المذكور لا يذهب عقله جملة ، وإنما يتغير مع صحة قصده إلى ما يقصده ، وأما إن بلغ إلى حد يغمى عليه ، ولا يبقى له عقل جملة فلا يصح منه نطق إذا بلغ هذه الحالة ، ولا يتهيأ منه ضرب ، ولا قصد إلى قتل ، ولا غيره ، وإنما تكلم الفقهاء على المعتاد من سكر الخمر ، وأنه ليس كالجنون الذي يذهب العقل جملة ، وإنما يتغير العقل تغيرا يجترئ على معان لا يجترئ عليها صاحيا كالسفيه ، ولو علم أنه بلغ إلى حد الإغماء لما أقتص منه ، ولا لزمه طلاق ، ولا غيره كسائر من أغمي عليه انتهى . إذا علم ذلك فالذي يظهر من كلامهم أن كالمجنون اتفاقا . السكران الذي لا تمييز عنده
وهو الذي عزاه ابن عرفة للباجي وابن رشد ، ونصه ابن رشد والباجي إن لم يعرف الأرض من السماء ، ولا الرجل من المرأة فكالمجنون اتفاقا ، وإن كان له بقية من عقله فالقولان أي في لزوم البيع لا في انعقاده .
وإذا علم هذا فيشكل ما ذكره المصنف من التردد في انعقاد بيع السكران غير المميز ; لأنه يقتضي أن هناك طريقة تحكى عن المذهب أو عن المشهور فيه أن بيعه منعقد وقد علمت أن طريقة الباجي وابن رشد أنه كالمجنون فلا ينعقد بيعه اتفاقا ، وطريقة أن فيه خلافا والمشهور عدم الانعقاد إلا أن يكون مراد ابن شعبان المصنف حكاية اختلاف الطريقين في عدم الانعقاد هل ذلك باتفاق أو على المشهور لكنه خلاف عادته ولا كبير فائدة فيه ; لأن غرض كتابه بيان المعتمد في المذهب وهو أيضا خلاف ما يفهم من كلامه في التوضيح .
ولا يقال يصح التردد على طريقة من يحكي الخلاف في بيع السكران مطلقا من غير تفصيل بين المميز ، وغيره كاللخمي وابن بشير فإنهما ذكرا في كتاب الأيمان بالطلاق في ذلك قولين .
ونقلهما ابن عرفة هنا عن اللخمي ; لأنا نقول إنما حكى اللخمي وابن بشير الخلاف في اللزوم لا في الانعقاد ثم إنهما ذكرا أن الأكثر على عدم اللزوم ، ولم يتكلما على عدم الانعقاد ، والله أعلم فتحصل من هذا أن المعتمد من المذهب عدم انعقاد فلو أسقط بيع السكران غير المميز المصنف قوله إلا بسكر فتردد لكان أحسن ، وأخصر وإذا لم ينعقد بيعه ، وشراؤه لم يلزمه ، والشاذ انعقاد بيعه ولزومه كما ذكره في التوضيح ، وأما فلا خلاف في انعقاد بيعه ، وإنما اختلفت الطرق في لزومه فحكى السكران المميز ابن رشد الخلاف في ذلك قال وقول ، وعامة أصحابه أنه لا يلزمه ، وهو أظهر الأقوال ، وأولاها بالصواب ، وعزاه في المعلم لجمهور أصحابنا قال في التوضيح : وعلى طريق مالك ، والقاضي ابن شعبان عياض لا خلاف في [ ص: 244 ] لزومه .
( قلت ) : وفي عزوه ذلك للقاضي عياض نظر فليتأمل ، والظاهر من كلام أهل المذهب عدم اللزوم كما قال ابن رشد ، والله أعلم ( الثاني ) : قال ابن عرفة كالمجنون انتهى . : السكران بغير خمر
( قلت ) : وهذا إذا شرب شيئا مباحا أو تداوى به ، ولم يعلم أنه يسكره ، فلا فرق بين الخمر وغيرها كما تقدم في الطلاق والله أعلم . وأما إذا شربه ، وهو عالم بإسكاره
( الثالث ) : ما تقدم من عدم انعقاد بيع المجنون هو الذي صرح به ابن شاس في الجواهر وابن راشد في المذهب والمصنف في التوضيح ، وغير واحد .
وقال ابن عرفة : ينظر له السلطان بالأصلح في إتمامه ، وفسخه إن كان مع من يلزمه عقده لقولها من جن في أيام الخيار نظر له السلطان ، ولسماع عقد المجنون حال جنونه عيسى بن القاسم إن باع مريض ليس في عقله فله أو لوارثه إلزامه المبتاع ابن رشد ; لأنه ليس بيعا فاسدا كبيع السكران على قول من لا يلزمه بيعه ا هـ .
( قلت ) : في استشهاده بمسألة المدونة نظر ; لأن الجنون إنما طرأ فيها بعد العقد ، وأما مسألة العتبية فظاهرها شاهد لما قاله ، وهي في رسم القطعان من سماع عيسى من جامع البيوع ، وقوله كبيع السكران تشبيه بأصل المسألة في الانعقاد ، وعدم اللزوم ، وليس تمثيلا للبيع الفاسد كما قد يتبادر للفهم ، ولفظ ابن رشد في شرح المسألة المذكورة هذا بين ; لأنه ليس بيعا فاسدا وإنما هو بيع للبائع فيه الخيار من أجل أنه لم يكن في عقله كبيع السكران على مذهب من لا يلزمه بيعه انتهى .
وفي أول كتاب البيوع من التنبيهات نحو كلام ابن عرفة ، فإنه جعل بيع المجنون من البيوع الموقوفة لإجازة من له النظر ونصه في أول البيوع الفاسدة مما يفسده لعلة تلحقه ما في عاقديه علة قال كالسفيه والصغير ، والمجنون .
والرق والسكران إلا أن العقد هنا موقوف لإجازة من له النظر وليس بفاسد شرعا انتهى . بلفظه ونقله أبو الحسن الصغير ولم يتعقبه .
( قلت ) : والأولى أن يحمل كلام العتبية وابن رشد وصاحب التنبيهات وابن عرفة على من عنده شيء من التمييز ، وحصل عنده شيء من الاختلاط كالمعتوه ويشهد لذلك تشبيه ابن رشد له ببيع السكران ، وقد تقدم في كلامه أن الخلاف إنما هو في لزوم بيع السكران الذي عنده شيء من التمييز ، وأما من ليس عنده شيء من التمييز فالظاهر أن بيعه غير منعقد ; لأنه جاهل بما يبيعه ، وما يشتريه ، وذلك موجب لعدم انعقاد البيع كما سيأتي ( فرع ) : قال الدماميني في حاشية في أوله عن البخاري : أن المذعور لا يلزمه ما صدر منه في حال ذعره من بيع ، وإقرار ، وغيره انتهى . مالك
( الرابع ) : تقدم في باب الحج عن ابن فرحون أن الصبي المميز هو الذي يفهم الخطاب ، ويرد الجواب ، ولا ينضبط ذلك بسن بل يختلف باختلاف الأفهام ، ونحوه لابن جماعة الشافعي في منسكه ، وعن البساطي أنه الذي عقل الصلاة ، والصيام وتقدم أن الأول أحسن والظاهر أن المراد بقوله يفهم الخطاب ، ويرد الجواب أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه ، وأحسن الجواب عنه لا أنه إذا دعي أجاب والله أعلم