الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      وأما الثاني : فاعلم أنه نقل عن مجتهد في مسألة واحدة قولان متنافيان فله حالتان : ( الحالة الأولى ) : أن يكون في موضع واحد بأن يقول : في هذه المسألة قولان ، ثم إما أن يعقب بما يشعر بالترجيح لأحدهما بأن يقول : أحبهما إلي وأشبههما بالحق عندي ، وهذا مما أستخير الله فيه ، أو يقول : هذا قول مدخول أو منكر ، فيكون ذلك قوله لأنه الذي ترجح عنده قال أبو القاسم بن كج : ولا يجوز أن يقال : إنه على قولين ، لأنه إنما ذكر الآخر ليبعث على طريق الاجتهاد وإما أن لا يفعل ذلك ، فاختلفوا فيه على ثلاثه مذاهب : ( أصحها ) : أنه لا ينسب إليه قول في المسألة ، بل هو متوقف لعدم ترجيح دليل أحد الحكمين في نظره ، وقوله : " فيه قولان " أي : احتمالان لوجود دليلين متساويين ، لا أنهما مذهبان لمجتهدين .

                                                      قال القاضي أبو الطيب : ولا نعرف مذهبه منهما لأنه لا يجوز أن يكونا مذهبين وهذا ما جزم به في المحصول " وغيره ( والثاني ) : يجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه ، ورجوعه عن الآخر غير معين دون نسبتهما جميعا ، ويمتنع العمل بهما حتى يتبين كالنصين إذا علمنا نسخ أحدهما غير معين ، وكالراوي إذا اشتبه عليه ما رواه من شيئين وهذا قول الآمدي ، وهو أحسن من الذي قبله ، وإن كان خلاف عمل الفقهاء ( والثالث ) : أن له قولين ، وحكمهما التخيير ، قاله القاضي في التقريب " : قال إمام الحرمين في التلخيص " : وهذا بناه القاضي على [ ص: 135 ] اعتقاده أن مذهب الشافعي تصويب المجتهدين ، لكن الصحيح من مذهبه أن المصيب واحد ، فلا يمكن منه القول بالتخيير ، وأيضا فقد يكون القولان بتحريم وإباحة ، ويستحيل التخيير بينهما واعلم أن وقوع ذلك في مجلس واحد من دون ترجيح قليل ، حتى نقل ابن كج عن القاضي أبي حامد المروزي أنه ليس للشافعي مثل ذلك إلا سبعة عشر موضعا وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع " : إلا بضعة عشر موضعا ، ستة عشر أو سبعة عشر ووقع في المحصول " ذلك للشيخ أبي حامد الإسفراييني وجزم بأنها سبعة عشر ، وكأنه اشتبه عليه ، لكن رأيت بخط الشيخ أبي عمرو بن الصلاح - رحمه الله - فيما انتخبه من كتاب شرح الترتيب " للأستاذ أبي إسحاق ما لفظه : كان أبو حامد يذكر أن الشافعي لا يبلغ ما له من المسائل التي اختلف أقاويله فيها أكثر من أربع أو خمس ، والباقي كلها قطع فيها بأحد القولين والأقاويل فإنه ذكر في بعضها : وهذا أشبه بالحق ، وفي بعضها : وهو الأقيس ، وفي بعضها : وهو أولاها ، وغير ذلك من الألفاظ الدالة على القطع .

                                                      وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في مختصر التقريب " : قال المحققون : إن ذلك لا يبلغ عشرا وقال القاضي أبو الطيب الطبري : قال أصحابنا : لم يوجد له من هذا النوع إلا ستة عشر ، قالوا : ويحتمل أن يكون قد تعين له الحق منهما ومات قبل بيانه ويحتمل أن يكون قد تعين له وكان متوقفا فيهما فإن قيل : فإذا لم يكونا مذهبين فليس لذكرهما في موضع واختيار أحدهما معنى ، وكذلك إذا لم يتبين له الحق فيهما فليس لذكرهما فائدة ، فالجواب أن الشافعي ذكرهما ليعلم أصحابه طرق استخراج العلل والاجتهاد ، وبيان ما يصحح العلل ويفسدها ، لأنه يحتاج أن يبين مدارك الأحكام كما يبين الأحكام ، ولأنه يفيد أن ما عداهما باطل ، وأن الحق في أحدهما ( انتهى كلام القاضي ) [ ص: 136 ]

                                                      وقال الغزالي : إنما يذكر القولين في هذه الحالة ، إما لأنه لم يتم نظره في المسألة ، وإنه في مدة النظر ويرجع حاصله إلى الوقف والاحتياط ، وذلك غاية الورع وهو دأب الصحابة والسلف ، كما قال عثمان في الجمع بين الأختين في ملك اليمين : أحلتهما آية وحرمتهما آية قال : ويتجه في هذا ثلاثة أسئلة : ( أحدها ) : أن المفتي إنما يفتي بالحكم لا بالتردد وجوابه أن المسائل المنقولة عن الشافعي - رحمه الله تعالى - في مسائل الفروع قريب من ستين ألف مسألة على ما حكى بعض الأصحاب ، وإنما جمع القول متردد في بضع عشرة مسألة ، وما نص عليه يوجد منه حكم هذا التردد ( الثاني ) : إن كان حاصله التردد فما فائدة ذكرها ؟ وجوابه : له خمس فوائد : ( 1 ) - وضع تصوير المسائل لأنه أمر صعب ( 2 ) - والتحريك لداعية النظر فيها ( 3 ) - وحثه لأصحابه لتخريجها على أشبه أصوله ( 4 ) - وإنه يكفي مؤنة النظر من الاحتمالات ، لأنه لا يحتمل سوى ما ذكره ( 5 ) - وذكر توجيهها فإنه لا بد أن يذكر وجه كل ، فتحصل معرفة الأدلة ومدارك العلماء ، ويهون النظر في طلب الترجيح فإن طلب الترجيح وحده أهون من طلب الدليل فعلى كل ناظر في المسألة هذه الوظائف الخمس تصويرها وطلب الاحتمالات فيها ، وحصر ما ينقدح من تلك الاحتمالات وطلب أدلتها وطلب الترجيح والشافعي قام بالوظائف الأربع ولم يترك إلا الخامسة ، فكيف تنكر فائدة القولين ؟ .

                                                      ، ( الثالث ) : ما يلزم عليه أن لا قول للشافعي في المسألة ، فكيف يقال : له قولان ؟ ، وجوابه أن المراد أن المسألة تحتمل قولين ، ولا يمتنع أن [ ص: 137 ] يقال : لفلان في الحادثة رأيان متردد بينهما انتهى وكذلك قال إمام الحرمين في التلخيص " : لا يمتنع من إطلاق القولين ، وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لها واستقصاؤه وجوه الأشباه فيها .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية