الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      الرابع إذا قلنا باستصحاب شرع من قبلنا فله ثلاث شروط : ( أحدها ) : أن يصح النقل بطريقة أنه شرعهم . وذلك بأربع طرق : [ ص: 49 ] إما بالقرآن كقوله تعالى : { أن تذبحوا بقرة } ، أو تصحيح السنة ، كما استدلوا بحديث الغار على صحة بيع الفضولي وشرائه ، أو ثبت نقل بطريق التواتر الذي لا يمكن الغلط فيه . ولا يشترط فيه الإيمان على ما سبق في " باب الخبر " . هذا هو الذي يقتضيه القياس ، لكن الظاهر خلافه ، ولهذا قال الرافعي في " كتاب الأطعمة " : لا يعتمد قول أهل الكتاب .

                                                      وإما بأن يشهد به اثنان أسلما منهم ممن يعرف المبدل . الشرط الثاني : أن لا تختلف في تحريم ذلك وتحليله شريعتان ، فإن اختلفتا كأن كان ذلك حراما في شريعة إبراهيم ، وحلالا في شريعة غيره ، فيحتمل أن يؤخذ بالمتأخر ، ويحتمل التخيير ، وإن لم نقل بأن الثاني ناسخ للأول ، فإن ثبت كون الثاني ناسخا وجهل كونه حراما في الدين السابق أو اللاحق توقف ويحتمل الرجوع إلى الإباحة الأصلية . الشرط الثالث : أن يكون التحريم والتحليل ثابتا قبل تحريفهم وتبديلهم ، فإن استحلوا وحرموا بعد النسخ والتحريف فلا عبرة به ألبتة . الخامس هذا كله في فروع الدين ، فأما العقائد فهي لازمة لكل أحد . قال تعالى : { أولئك الذين هدى الله ، فبهداهم اقتده } ويدل لذلك أن العلماء احتجوا على أن الله خالق لفعل العبد بقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم : { أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون } ولم يرد المعتزلة هذا بأنه شرع سابق . وألحق بعضهم بالإيمان تحريم القتل والكفر والسرقة والربا ونحوهما ، وقال : اتفقت الشرائع على تحريمها ، وإنما اختلفوا : هل حرمت في شرعنا [ ص: 50 ] بخطاب مستأنف أم بالخطاب الذي أنزل على غيره وتعبد باستدامته ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما يخالف شرعهم فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي : كان ذلك بخطاب مستأنف وطردوا قولهم : لم يتعبد بشريعة من قبله .

                                                      السادس ذكر القاضي أبو عبد الله الصيمري من أئمة الحنفية في كتابه مسائل الخلاف في الأصول خلافا في أنه هل يجوز أن يبعث الله تعالى نبيا تكون شريعته مثل الذي قبله ، أم يجب أن تكون له شريعة مفردة ؟ قال : أما من جهة العقل فهو جائز ، ومن الناس من قال لا بد أن يختص بشريعة [ غير شريعة ] من قبله . انتهى . ولعل هذا الخلاف هو أصل الخلاف في مسألتنا . ثم رأيت التصريح بذلك في كتاب الذريعة " للشريف المرتضى . قال : وقيل : يجوز أن يتعبد الله نبيا بمثل شريعة النبي الأول بشرطين : أن تندرس الأولى فيجددها الثاني ، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن فيها . فأما على غير هذا الوجه هو عبث ، قال : والصحيح الجواز ولا عبث إذا علم الله أنه ينتفع بالثاني من لا ينتفع بالأول ، لتكون النعمة الثانية على سبيل ترادف الأدلة . فائدة قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى : بدء الشرائع كان في التخفيف ، ولا يعرف في شرع نوح وصالح وإبراهيم ثقيل ، ثم جاء موسى بالتشديد والأثقال ، وجاء عيسى بنحو من ذلك ، وكانت شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم تنسخ تشديد أهل الكتاب ، ولا تطلق بتسهيل من كان قبلهم ، فهي على غاية الاعتدال . .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية