الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5043 ص: فإن قال قائل: قوله: "ولا ذو عهد في عهده" إنما معناه: لا يقتل مؤمن بكافر، فانقطع الكلام، ثم قال: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مستأنف، أي: ولا يقتل المعاهد في عهده، فكان من حجتنا عليه: أن هذا الحديث إنما جرى في الدماء المسفوك بعضها ببعض; لأنه قال: "المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" ثم قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" فإنما جرى الكلام على الدماء التي تجري قصاصا، ولم يجر على حرمة دم بعهد؛ ليحمل الحديث على هذا. فهذا وجه.

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله -عليه السلام-: "لا يقتل مؤمن بكافر" كلام مستقل بذاته مفيد لحكم، وليس له تعلق به لما بعده، فلما قال هذا الكلام انقطع عما قبله وتم.

                                                [ ص: 346 ] ثم قوله -عليه السلام- بعده: "ولا ذو عهد في عهده" كلام مستأنف أي مبتدأ، وهو أيضا كلام مستقبل بذاته مفيد لحكمه، ومعناه: لا يقتل المعاهد في عهده، فإذا كان كذلك كان كل من الكلامين حكما، وهو أن يكون حكم الأول: منع قتل المؤمن بالكافر، أي كافر كان، وحكم الثاني: منع قتل المعاهد ما دام في عهده.

                                                وأشار إلى الجواب عن ذلك بقوله: "فكان من حجتنا عليه -أي على هذا القائل- أن هذا الحديث" يعني أن مورد الحديث في الدماء التي يسفك بعضها ببعض بقرينة قوله: "المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم" أي تتساوى في القصاص كما ذكرنا، ولما قال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" علم أن جريان الكلام كان على الدماء التي تسفك من حيث القصاص، ولم يكن على حرمة دم بسبب العهد والذمة; وذلك لأن حرمة دم العهد معلومة بدون هذا.

                                                ولو قلنا: المعنى: ولا يقتل المعاهد في عهده; لخلا اللفظ عن الفائدة.

                                                فإذا كان كذلك لم يكن قوله: "ولا ذو عهد في عهده" كلاما مستقلا بداية، مفيدا لحكم غير معلوم، فاحتاج إلى تأويل كما ذكرناه فيما مضى محققا.

                                                قوله: "فهذا وجه" أي فهذا الذي ذكرناه وجه في الجواب.




                                                الخدمات العلمية