الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4849 4850 4851 4852 4853 4854 ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك منسوخا، وقد عمل به علي - رضي الله عنه - بعد رسول الله -عليه السلام-؟

                                                فذكر ما حدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يحيى بن يحيى ، قال: ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال: "جاءت امرأة من همدان -يقال لها: شراحة- إلى علي - رضي الله عنه - فقالت: "إني زنيت، فرددها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، فأمر بها فجلدت، ثم أمر بها فرجمت".

                                                حدثنا روح بن الفرج ، قال: ثنا يوسف بن عدي ، قال: ثنا أبو الأحوص . ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                [ ص: 457 ] حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي ، قال: ثنا محمد بن بكار بن بلال ، قال: ثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن الرضراض بن أسعد ، قال: " شهدت عليا - رضي الله عنه - جلد شراحة ثم رجمها".

                                                حدثنا محمد بن حميد ، قال: ثنا علي بن معبد ، قال: ثنا موسى بن أعين ، عن مسلم الأعور ، عن حبة ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال:" أتته شراحة فأقرت عنده أنها زنت، فقال لها علي : - رضي الله عنه -: لعلك غصبت نفسك؟ قالت: أتيت طائعة غير مكرهة، قال: فأخرها حتى ولدت وفطمت ولدها، ثم جلدها الحد بإقرارها، ثم دفنها في الرحبة إلى منكبها، ثم رماها هو أول الناس، ثم قال: ارموا، ثم قال: جلدتها بكتاب الله -عز وجل- ورجمتها بسنة محمد - صلى الله عليه وسلم . -".

                                                حدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا أبو عامر العقدي ، قال: ثنا شعبة ، عن سلمة ، عن الشعبي قال: " جلد علي - رضي الله عنه - شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله -عز وجل- ورجمتها بسنة رسول الله -عليه السلام-".

                                                التالي السابق


                                                ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم أن يكون حديث عبادة منسوخا، والدليل على أن حكمه وهو الجمع بين الجلد والرجم في الزاني باق: فعل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإنه جمع بين الجلد والرجم بعد النبي -عليه السلام- وذلك في قضية شراحة الهمدانية، ولو كان حكم الجمع بين الجلد والرجم منسوخا لما عمل به علي - رضي الله عنه - بعد النبي -عليه السلام-.

                                                وأخرج في ذلك، عن علي من خمس طرق:

                                                الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي ، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الشيخين، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي ، عن سماك بن حرب ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري .

                                                وهذا إسناد صحيح، وفيه حجة لأصحابنا حيث يشترطون إقرار الزاني أربع مرات، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي مرة واحدة، وهو قول حماد بن أبي سليمان والحسن بن حي .

                                                [ ص: 458 ] الثاني: أيضا صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ، عن أبي الأحوص .... إلى آخره.

                                                الثالث: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، عن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي قاضيها، عن سعيد بن بشير الأزدي النصري -بالنون والصاد المهملة- فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وكذا عن النسائي. روى له الأربعة.

                                                وهو يروي عن قتادة ، عن الرضراض بن أسعد وثقه ابن حبان .

                                                الرابع: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، عن علي بن معبد بن شداد ، عن موسى بن أعين الجزري الحراني ، عن مسلم بن كيسان البراد الكوفي الأعور، فيه مقال، فعن يحيى: لا شيء. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك.

                                                روى عن حبة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن جوين بن علي العرني البجلي الكوفي، قيل: إنه رأى النبي -عليه السلام-.

                                                الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن عامر الشعبي .

                                                وهذا إسناده صحيح.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا آدم، نا شعبة، نا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي - رضي الله عنه - حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: "قد رجمتها بسنة رسول الله -عليه السلام-".

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا علي بن مسهر ، عن الأجلح ، عن الشعبي قال: "أتي علي - رضي الله عنه -بشراحة- امرأة من همدان- وهي حبلى من زنا، [ ص: 459 ] فأمر بها علي - رضي الله عنه - فحبست في السجن، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة سوط، ورجمها يوم الجمعة".

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة ، عن سلمة بن كهيل ، عن الشعبي، أن عليا - رضي الله عنه - قال لشراحة: "لعلك استكرهت؟ لعل زوجك أتاك؟ لعلك .... قالت: لا، فلما وضعت جلدها، ثم رجمها، فقيل له: لم جلدتها ثم رجمتها؟ قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله -عليه السلام-".

                                                وأخرجه البيهقي في "سننه" مطولا من حديث جعفر بن عون: أنا الأجلح ، عن الشعبي قال: "جيء بشراحة إلى علي - رضي الله عنه - فقال لها: ويلك، لعلك وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا، قال: لعلك استكرهت؟ قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك، فأنت تكرهي أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إذا يصيب بعضكم بعضا، صفوا كصف الصلاة صفا خلف صف، ثم قال: أيها الناس، أيما امرأة جيء بها وبها حبل، أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا، فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس، ثم رجمها، ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم".




                                                الخدمات العلمية