الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4857 ص: وقد جاء غير هذا الأثر من الآثار ما قد بين الاعتراف بالزنا الذي يوجب الحد على المعترف ما هو؟

                                                من ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال: ثنا إسرائيل ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبي بكر - رضي الله عنه -: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ماعزا أربع مرات". .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد جاء غير حديث أبي هريرة -الذي فيه الأمر لأنيس الأسلمي برجم تلك المرأة إن اعترفت- من الآثار ما قد بين كمية الاعتراف الذي يجب به الحد، فمنها حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فإنه أخبر أنه -عليه السلام- رد ماعزا أربع مرات.

                                                فدل ذلك أن الحد لا يجب بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثا.

                                                وأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز ، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال، عن عامر الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، المختلف في صحبته، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: "كنت [ ص: 465 ] عند النبي -عليه السلام- فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرة فرده، ثم جاء فاعترف الثانية فرده، ثم جاء فاعترف الثالثة فرده، فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك، فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: ما نعلم إلا خيرا فأمر برجمه".

                                                وأخرجه أحمد في "مسنده": عن أسود بن عامر ، عن إسرائيل .... إلى آخره نحوه.

                                                وقد طعنوا في هذا الحديث بسبب جابر الجعفي، ولكن ابن حبان أخرج له في "صحيحه" وقال صاحب "التمهيد": أجمعوا على أنه يكتب حديثه، واختلفوا في الاحتجاج به، وشهد له بالصدق والحفظ: الثوري وشعبة ووكيع وزهير بن معاوية، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن جابرا الجعفي ثقة، وزاد في "الاستذكار": كان شعبة والثوري يشهدان له بالحفظ والإتقان، وكان وكيع وزهير بن معاوية يوثقانه ويثنيان عليه.

                                                فإن قيل: الإقرار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحد سواء; لأن الإقرار إخبار، والإخبار لا يزيد رجحانا بالتكرار، ولهذا لم يشترط في سائر الحدود.

                                                قلت: هذا هو القياس، ولكنا تركناه بالنص، وهو أنه -عليه السلام- رد ماعزا أربع مرات، فلو كان الإقرار مرة مظهرا للحد لما أخره -عليه السلام- إلى الأربع; لأن الحد بعدما ظهر وجوبه للإمام لا يحتمل التأخير.

                                                فإن قيل: يحتمل رد النبي -عليه السلام- ماعزا أربع مرات؛ لكونه أفهمه أنه لا يدري ما الزنا، فردده لذلك، لا لكون اشتراط الأربع في الإقرار، ألا ترى كيف قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت" وفي رواية قال بعد ذلك: "قبلتها؟ قال: نعم".

                                                أخرجها النسائي وغيره من حديث ابن عباس، فدل ذلك أن ترديده -عليه السلام- [ ص: 466 ] لم يكن مراعاة لتمام الإقرار أربع مرات أصلا، وإنما كان لتهمته إياه في عقله، وفي جهله ما هو الزنا.

                                                قلت: يرد هذا كله حديث بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه - فإنه يخبر فيه: "أن ماعزا لما أقر مرة رده رسول الله، فلما كان من الغد أتاه أيضا فاعترف أيضا بالزنا ...." الحديث، على ما يأتي عن قريب إن شاء الله، إلى أن قال بريدة في آخره: "كنا نتحدث بيننا أصحاب رسول الله -عليه السلام- أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة" وهذا أدل دليل على أن ترديده -عليه السلام- أربع مرات لم يكن إلا لكون اشتراط الأربع; إذ لو كانت لتهمته إياه في عقله لرجمه في اليوم الثاني; لأن عقله كان يعلم في ترديده.

                                                فإن قلت: يعارض هذا ما رواه النسائي: عن إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن عبد الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول: "جاء الأسلمي إلى رسول الله -عليه السلام- فشهد على نفسه أربع مرات بالزنا يقول: زنيت بامرأة حراما، كل ذلك يعرض عنه رسول الله -عليه السلام- فأقبل في الخامسة فقال له: أنكحتها؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله -عليه السلام- أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله -عليه السلام- رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما رسول الله -عليه السلام- ساعة، فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن يا رسول الله، فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله غفر الله لك من يأكل هذا؟! فقال رسول الله -عليه السلام-: ما نلتما من عرض هذا آنفا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة".

                                                [ ص: 467 ] فهذا حديث صحيح، وفيه أنه -عليه السلام- لم يكتف بإقراره أربع مرات، ولا بتقريره أربع مرات حتى أقر في الخامسة، ثم لم يكتف بذلك حتى سأله السادسة: هل تعرف ما الزنا؟ ولم يكتف بذلك حتى سأله السابعة: ما تريد بهذا القول؟ فهذا يدل على أن ترديده -عليه السلام- لم يكن إلا لتهمته إياه في عقله، ولو جعل العدد شرطا كان ينبغي أن يشترط أكثر من أربع، على ما في الحديث.

                                                قلت: لم يكن ما فوق الأربع في هذا الحديث من الإقرار بالزنا، وإنما كان في الخامسة سؤالا وجوابا عن صحة وقوع الزنا، وفي السادسة كان سؤالا وجوابا عن ماهية الزنا، والسابع: كان سؤالا وجوابا عما يخرج به من هذه الورطة، وليس ذلك داخلا في الآثار المعتبرة، والأقارير المشروطة هي التي حصلت بقوله: "فشهد على نفسه أربع مرات" فافهم.




                                                الخدمات العلمية