الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4958 4959 4960 4961 4962 ص: قالوا: فإنه قد روي هذا الحديث عن عمرة كما رواه يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن يحيى بن سعيد أيضا.

                                                [ ص: 589 ] وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال: ثنا أبان بن يزيد ، قال: ثنا يحيى بن سعيد ، عن عمرة، ، عن عائشة ، - رضي الله عنها - أن النبي -عليه السلام- قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا". .

                                                قيل لهم: قد روى هذا الحديث عن يحيى ، من هو أثبت من أبان ، فأوقفه على عائشة ، ولم يرفعه إلى رسول الله -عليه السلام-.

                                                حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، ، أن عائشة زوج النبي -عليه السلام- قالت: "ما طال علي ولا نسيت، القطع في ربع دينار فصاعدا".

                                                حدثنا محمد بن إدريس المكي ، قال: ثنا الحميدي ، عن سفيان ، قال: ثنا أربعة ، عن عمرة، ، عن عائشة ، لم يرفعوه: عبد الله بن أبي بكر، ، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى 5 وعبد ربه ابنا سعيد، ، والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: "ما نسيت ولا طال علي، القطع في ربع دينار فصاعدا".

                                                حدثنا يونس ، قال: ثنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، قال: أخبرتني عمرة، ، أنها سمعت عائشة - رضي الله عنها - تقول: " القطع في ربع دينار فصاعدا". ) .

                                                فكان أصل حديث يحيى عن عمرة ، هو ما ذكرنا مما رواه عنه أهل الحفظ والإتقان مالك ، وابن عيينة، ، لا كما رواه أبان بن يزيد، . فقد عاد حديث يحيى بن سعيد، ، عن عمرة، ، عن عائشة إلى نفسها إما لتقويمها ما قد خولفت في تقويمه، وإما لتوقيتها ما قد خولفت في توقيته، ولم يثبت فيه عنها عن النبي -عليه السلام- شيء.

                                                وأما ما استدل به ابن عيينة على أن حديث عائشة مما رواه يحيى بن سعيد، عن عمرة ، عنها مرفوع بقولها: "ما طال علي ولا نسيت" فإن ذلك عندنا لا دلالة فيه على ما قد ذكرتم، وقد يجوز أن يكون معناها في ذلك: ما طال علي ولا نسيت ما قطع فيه رسول الله -عليه السلام- مما كانت قيمته عندها ربع دينار، وقيمته عند غيرها أكثر [ ص: 590 ] من ذلك، فيعود معنى حديثها هذا إلى معنى ما قد رويناه عنها قبل هذا، من ذكرها ما كان النبي -عليه السلام- يقطع فيه، ومن تقويمها إياه بربع دينار.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه معارضة أخرى من أهل المقالة الثالثة، بيانها أنهم قالوا: قد قلتم في رواية يونس بن يزيد ما قلتم، وقد رواه أيضا أبان بن يزيد العطار كما رواه يونس بن يزيد الأيلي; فإنه روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، أن النبي -عليه السلام- قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا".

                                                فهذا أيضا إخبار عن عائشة من قول النبي -عليه السلام-.

                                                أخرجه عن محمد بن خزيمة ، عن مسلم بن إبراهيم القصاب ، عن أبان بن يزيد العطار .... إلى آخره.

                                                وأخرجه النسائي: أخبرني يزيد بن محمد بن فضيل، أنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان، نا يحيى بن سعيد ، عن عمرة، عن عائشة، أن النبي -عليه السلام- قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا".

                                                فأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له" بيانه أن يقال: إن هذا الحديث قد رواه عن يحيى بن سعيد من هو أثبت من أبان بن يزيد، فأوقفه على عائشة ولم يرفعه إلى رسول الله -عليه السلام- وهو ما أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد .... إلى آخره.

                                                ولا شك أن مالكا أثبت وأتقن من أبان بن يزيد، ووافقه على ذلك سفيان بن عيينة أيضا فإنه قال: ثنا أربعة، عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه، وهم: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، روى له الجماعة.

                                                [ ص: 591 ] ورزيق -بضم الراء المهملة وفتح الزاي المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف- بن حكيم -بضم الحاء المهملة وفتح الكاف- الأيلي، عامل عمر بن عبد العزيز على أيلة، وثقه النسائي .

                                                ويحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، روى له الجماعة.

                                                وأخوه عبد ربه بن سعيد، وثقه يحيى، روى له الجماعة.

                                                أخرجه عن محمد بن إدريس المكي وراق الحميدي ، عن الحميدي وهو عبد الله بن الزبير بن عيسى شيخ البخاري ، عن سفيان بن عيينة .... إلى آخره.

                                                وأخرجه النسائي: أنا قتيبة، ثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد وعبد ربه ، ورزيق -صاحب أيلة- أنهم سمعوا عمرة، عن عائشة قالت: "القطع في ربع دينار فصاعدا".

                                                قوله: "والزهري أحفظهم كلهم" من تتمة حديث ابن عيينة أن محمد بن مسلم الزهري أحفظ الأربعة المذكورين.

                                                وقوله: "كلهم" بالجر على ما لا يخفى.

                                                فإن قلت: هذا الكلام من ابن عيينة يدل على أن رفع الحديث المذكور أصح وأثبت; لأنه من رواية الزهري، وهو أتقن من الأربعة الذين رووه موقوفا.

                                                قلت: والزهري وإن كان قد رواه مرفوعا فقد رواه موقوفا أيضا.

                                                أخرجه النسائي: من حديث ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عمرة، عن عائشة قالت: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا".

                                                وهذا يرد على من يقول: لا يختلف على الزهري في رفع هذا الحديث، فافهم.

                                                [ ص: 592 ] قوله: "إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع" يعني قول عائشة: "ما نسيت ولا طال علي" يدل على أنها سمعت قولها: "القطع في ربع دينار فصاعدا" عن النبي -عليه السلام- وهذه دلالة غير صريحة، فلا يحتج بها على الخصم.

                                                قوله: "حدثنا يونس، قال: ثنا أنس بن عياض. ... إلى آخره" إشارة إلى أن أنس بن عياض بن حمزة المدني أيضا وافق مالكا على الوقف.

                                                أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى ، عن أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة .... إلى آخره.

                                                ووافقه أيضا ابن إدريس على ذلك.

                                                فقال النسائي: أنا محمد بن العلاء، ثنا ابن إدريس ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة، عن عائشة قالت: "القطع في ربع دينار فصاعدا".

                                                قال النسائي: هذا الصواب من حديث يحيى، فإذا كان كذلك يكون أصل حديث يحيى: عن عمرة، عن عائشة موقوفا، كما رواه هؤلاء الأثبات لا كما رواه أبان بن يزيد العطار، فعاد الحديث إلى نفس عائشة إما لكونها قد قومت ما قد خولفت في تقويمه، وإما لكونها وقتت ما قد خولفت في توقيته، ولم يثبت فيه عنها عن النبي -عليه السلام- شيء.

                                                وقال بعض المحققين: إذا فتش أصل هذا الحديث فظهر فيه الوقف والرفع والإرسال ويتبين فيه الاضطراب في متنه وفي سنده.

                                                قوله: "وأما ما استدل به ابن عيينة .... إلى آخره" جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال: إنكم قلتم: إن أصل حديث يحيى عن عمرة: هو ما ذكرنا، يعني أنه موقوف كما رواه أهل الحفظ والإتقان مالك وابن عيينة، لا كما رواه أبان بن يزيد عن يحيى مرفوعا، وكيف يكون ابن عيينة مع مالك في [ ص: 593 ] الوقف، وقد قال في حديث يحيى ما يدل على الرفع وهو قول عائشة: "ما نسيت وما طال علي، القطع في ربع دينار فصاعدا"؟!

                                                وتقرير الجواب أن يقال: إنه لا دلالة فيه على ما قد ذكرتم؛ لأنه يحتمل أن يكون معنى كلامها هذا: ما طال علي ولا نسيت ما قطع فيه رسول الله -عليه السلام- فما كانت قيمة ذلك المسروق عندها باجتهادها ربع دينار ويكون عند غيرها أكثر من ربع دينار; لأن تقويم المقومين يختلف في القيمة، فحينئذ يعود معنى حديثها هذا إلى معنى الحديث الذي مر ذكره قبل ذلك عند قوله: "ليس لهم في هذا أيضا حجة على من ذهب إلى أنه لا يقطع إلا في عشرة دراهم.




                                                الخدمات العلمية