الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                7408 ص: وقد روي عن رسول الله -عليه السلام- أيضا ما قد دل على ما ذكرنا.

                                                [ ص: 225 ] حدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يزيد بن هارون ، وعبيد الله بن موسى العبسي. 7409 وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي ، قالوا: أنا سفيان ، عن أبي قيس ، عن هزيل بن شرحبيل: " أتي سليمان بن ربيعة 5 وأبو موسى الأشعري في ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقالا: للابنة النصف، وللأخت النصف، ثم قالا: ائت عبد الله بن مسعود فإنه سيتابعنا، فأتاه فقال عبد الله: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ولكن سأقضي فيها بما قضى به رسول الله -عليه السلام-؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت".

                                                7410 حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا وهب بن جرير ، قال: ثنا شعبة ، عن أبي قيس ، عن هزيل ، مثله.

                                                ففي هذا الحديث أن رسول الله -عليه السلام- جعل الأخوات من قبل الأب مع الابنة عصبة، فصرن مع البنات في حكم الذكور مع الإخوة من قبل الأب، فصار قول رسول الله -عليه السلام- "فما أبقت الفرائض فلأولى ذكر رجل" لأنه عصبة ولا عصبة أقرب منه، فإذا كانت هناك عصبة هي أقرب من ذلك الرجل فالمآل لها، وعلى هذا ينبغي أن يحمل هذا الحديث حتى لا يخالف حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - هذا ولا يضاده، وسبيل الآثار أن تحمل على الاتفاق ما وجد السبيل إلى ذلك، ولا تحمل على التنافي والتضاد، ولو كان حديث ابن عباس ، على ما حمله عليه المخالف لنا لما وجب -على مذهبه- أن يضاد به حديث ابن مسعود؛ ؛ لأن حديث ابن مسعود هذا مستقيم الإسناد صحيح المجيء، وحديث ابن عباس مضطرب الإسناد؛ لأنه قطعه من ليس بدون من قد رفعه على ما قد ذكرنا في أول هذا الباب.

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذا إلى صحة ما قاله من وجه النظر في توريث الأخت مع البنت في الصورة المتنازع فيها، وتأكيد ذلك بالآثار الصحيحة، فمن ذلك حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - فإنه صريح في أنه -عليه السلام- قد جعل الأخوات مع البنات عصبة.

                                                [ ص: 226 ] وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

                                                الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن يزيد بن هارون الواسطي وعبيد الله ابن موسى العبسي -بفتح العين المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبالسين المهملة شيخ البخاري، كلاهما عن سفيان الثوري ، عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الكوفي ، عن هزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي قيس ، عن هزيل بن شرحبيل قال: "جاء رجل إلى أبي موسى وسليمان بن ربيعة، فسألهما عن ابنة، وابنة ابن، وأخت لأب وأم، فقال: للابنة النصف، وما بقي للأخت، وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. قال: فأتى الرجل ابن مسعود فسأله، وأخبره بما قالا، قال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، ولكن سأقضي بما قضى به رسول الله -عليه السلام-؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت".

                                                الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن أبي قيس ...إلى آخره.

                                                وأخرجه الترمذي: ثنا الحسن بن عرفة، ثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان الثوري ، عن أبي قيس ، عن هزيل بن شرحبيل قال: "جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة ...إلى آخره".

                                                وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

                                                وأخرجه ابن ماجه: ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، ثنا سفيان ، عن أبي قيس الأودي ...إلى آخره نحوه.

                                                [ ص: 227 ] وأخرجه أبو داود: ثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، قال: حدثني علي بن مسهر ، عن الأعمش ، عن أبي قيس الأودي ، عن هزيل بن شرحبيل الأودي قال: "جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة ...." إلى آخره نحوه.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن أبي قيس ، عن هزيل ...إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا آدم، ثنا شعبة، ثنا أبو قيس، سمعت هزيل بن شرحبيل قال: "سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود - رضي الله عنه - وأخبر بقول أبي موسى - رضي الله عنه - فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي -عليه السلام-؛ للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت، فأتيا أبا موسى فأخبراه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم".

                                                قوله: "لقد ضللت إذا" أراد به الإنكار على أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فإنهما أفتيا بخلاف ما حكم به رسول الله -عليه السلام-، ولهذا قال ابن مسعود: لقد ضللت إذا. يعني إذا أفتيت بخلاف ما حكم به رسول الله -عليه السلام- كنت من الضالين، ثم يبين لهم حكم رسول الله -عليه السلام- وبين أن الأخوات يصرن عصبة مع البنات ويرثن معهن. وهو قول جماعة الصحابة والتابعين والفقهاء إلا ابن عباس؛ فإنه خالف عامة الصحابة في ذلك وكان يقول في رجل، وأخته لأبيه، وأمه: النصف للابنة، وليس للأخت شيء. وذهبت إليه طائفة شاذة كما قدمناه.

                                                قوله: "فصار قول رسول الله -عليه السلام-: فما أبقت الفرائض...إلى آخره". إشارة إلى وجه التوفيق بين حديث ابن عباس هذا وبين حديث ابن مسعود، وقد أشار [ ص: 228 ] إليه بقوله: وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل هذا...الحديث، يعني حديث ابن عباس المذكور في أول الباب.

                                                قوله: "ما وجد السبيل" أي ما دام السبيل موجودة.

                                                قوله: "لأنه قطعه". أي لأن حديث ابن عباس قطعه من ليس بدون من رفعه أي من ليس أدنى حالا من الذي وصله، وذلك أن سفيان الثوري قد رواه عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه، عن النبي -عليه السلام-، وهو مقطوع وإنما وصله وهيب بن خالد عن ابن طاوس ، عن أبيه، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام-.

                                                وكذلك وصله روح بن القاسم ومعمر بن راشد ، وسفيان ليس بدون هؤلاء بل هو أجل مرتبة منهم وأضبط، ولهذا قال النسائي: حديث الثوري أشبه بالصواب.




                                                الخدمات العلمية