الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5952 ص: وقد جاءت آثار غير هذه الآثار فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، فمنها: ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد ، قال: ثنا يحيى بن زكرياء ، عن الحجاج بن أرطأة ، عن الحكم ، عن أبي القاسم مقسم ، عن ابن عباس قال: " أعطى رسول الله -عليه السلام- خيبر بالشطر، ، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم". .

                                                5953 حدثنا محمد بن عمرو بن يونس ، قال: ثنا عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، وابن عمر: " أن رسول الله -عليه السلام- عامل أهل خيبر بشطر ما تخرج من الزرع".

                                                5954 حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال: " كانت المزارع تكرى على عهد رسول الله -عليه السلام- على أن لرب الأرض ما على ربيع الساقي من الزرع وطائفة من التبن، لا أدري كم هو؟ 5955 قال نافع: : فجاء رافع بن خديج ، وأنا معه فقال: إن رسول الله -عليه السلام- أعطى خيبر يهودا على أنهم يعملونها ويزرعونها بشطر ما تخرج من ثمر أو زرع".

                                                5956 حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي -وهو محمد بن عون- قال: ثنا إبراهيم بن طهمان ، قال: ثنا أبو الزبير ، عن جابر قال: " أفاء الله -عز وجل- خيبر، فأقرهم رسول الله -عليه السلام- كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم". .

                                                5957 حدثنا أبو أمية ، قال: ثنا محمد بن سابق ، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر مثله.

                                                [ ص: 329 ] ففي هذه الآثار دفع النبي -عليه السلام- خيبر بالنصف من ثمرها وزرعها، فقد ثبت بذلك جواز المزارعة والمساقاة ولم يضاد ذلك ما تقدم ذكرنا له من خبر جابر، 5 ورافع، ، وثابت - رضي الله عنهم - لما قد ذكرنا من حقائقها.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد جاءت أحاديث عن النبي -عليه السلام- خلاف الأحاديث المذكورة فيها إباحة المزارعة بالثلث والربع، وهي حجة على أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى فساد المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض، وهي عن ابن عباس ، وابن عمر ، وجابر - رضي الله عنهم -.

                                                أما حديث ابن عباس: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن ، عن أسد بن موسى ، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة ، عن الحجاج بن أرطأة النخعي فيه مقال، عن الحكم بن عتيبة ، عن أبي القاسم مقسم بن بجرة ، عن ابن عباس .

                                                وأخرجه ابن ماجه: ثنا إسماعيل بن توبة، نا هشيم ، عن ابن أبي ليلى ، عن الحكم بن عتيبة ، عن مقسم ، عن ابن عباس: "أن رسول الله -عليه السلام- أعطى خيبر أهلها على النصف؛ نخلها وأرضها".

                                                قوله: "بالشطر" أي بالنصف.

                                                قوله: "ثم أرسل ابن رواحة" وهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري .

                                                وأما حديث ابن عمر فأخرجه من طريقين:

                                                الأول: إسناده صحيح عن محمد بن عمرو بن يونس ، عن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ، عن عبيد الله بن عمر بن حفص ، عن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر .

                                                وأخرجه أبو داود: عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر: "أن النبي -عليه السلام- عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع".

                                                [ ص: 330 ] وأخرجه الترمذي: عن إسحاق بن منصور ، عن يحيى به.

                                                وقال: حسن صحيح.

                                                وأخرجه ابن ماجه: عن ابن الصباح وسهل بن أبي سهل وإسحاق بن منصور ، عن يحيى، به.

                                                الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي ، عن أبي بكر عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي ، عن عبد الله بن نافع فيه مقال.

                                                عن أبيه نافع مولى ابن عمر ، عن عبد الله بن عمر .

                                                وأخرجه الطبراني: ثنا أحمد بن رشدين، نا عبد الأعلى بن عبد الواحد الكلاعي، ثنا يزيد بن شعيب ، عن أسامة بن زيد ، عن نافع: "أن ابن عمر لما سمع حديث رافع بن خديج: نهى رسول الله -عليه السلام- عن كراء الأرض، قال ابن عمر: إنما كنا نكريها على ربيع الساقي وببعض ما يخرج منها من التبن".

                                                وأما حديث جابر فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن عون الزيادي -بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف- البصري، شيخ أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين.

                                                عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي ، عن جابر .

                                                وأخرجه أبو داود: عن محمد بن أبي خلف ، عن محمد بن سابق ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: "أفاء الله على رسوله -عليه السلام- خيبر، فأقرهم رسول الله -عليه السلام- كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم".

                                                [ ص: 331 ] الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي ، عن محمد بن سابق التميمي البزار الكوفي ، عن إبراهيم بن طهمان ، عن أبي الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه -.

                                                قوله: "أفاء الله" من الفيء وهو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفيء الرجوع يقال: فاء يفيء فيئة وفيوءا، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال: فيء؛ لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق.

                                                قوله: "فخرصها" من خرص النخل والكرمة يخرصها خرصا إذا حزر ما عليهما من الرطب تمرا، ومن العنب زبيبا، وهو من الخرص: الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخرص -بالكسر- والفاعل الخارص.

                                                قوله: "ولم يضاد ذلك" أي المذكور من الأحاديث ما قد تقدم ذكرنا له من حديث جابر بن عبد الله ، ورافع بن خديج ، وثابت بن الضحاك - رضي الله عنهم -.

                                                وهذا في الحقيقة جواب عما يقال: إن بين أحاديث ابن عباس وابن عمر وجابر المذكورة هاهنا وبين أحاديث جابر ورافع وثابت تضادا ظاهرا؛ لأن أحاديث ابن عباس وابن عمر وجابر هذه تخبر بإباحة المزارعة بالثلث والربع، وأحاديث هؤلاء تمنع عن هذا.

                                                وتحقيق الجواب يفهم مما ذكره من معاني هذه الأحاديث وتنزيلها على تأويلات صحيحة.




                                                الخدمات العلمية