الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                6457 ص: وخالفهم في ذلك آخرون فأباحوا من ذلك ما لا يسكر، وحرموا الكثير الذي يسكر.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سويد بن غفلة ، وزر بن حبيش ، والحسن البصري ، وعلقمة بن قيس ، وعمرو بن ميمون ، ومرة الهمداني ، وعامرا الشعبي وابن أبي ليلى ، وإبراهيم النخعي ، وأبا حنيفة ، وأبا يوسف -رحمهم الله-؛ فإنهم أباحوا من النبيذ ما لا يسكر، وحرموا الكثير الذي يسكر. وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وجابر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهم -.

                                                وفي "المغني": قال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طبخ فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب إذا طبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذ الحنطة والذرة والشعير ونحو ذلك نقيعا كان أو مطبوخا: كل ذلك حلال إلا ما بلغ السكر.

                                                فأما عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده، أو طبخ وذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب إذا اشتد بغير طبخ؛ فهذا يحرم قليله وكثيره.

                                                وقال أبو عمر: أجمع المسلمون في كل عصر وبكل مصر -فيما بلغنا وصح عندنا- أن عصير العنب إذا رمى بالزبد وهدأ وأسكر الكثير منه أو القليل أنه خمر، وأنه ما دام على حاله تلك حرام كالميتة والدم، رجس نجس كالبول، إلا ما روي عن ربيعة في نقط من الخمر لم أر لذكره وجها؛ لأنه خلاف لإجماعهم، وقد جاء عنه في مثل رءوس الأبر من نقط البول نحو ذلك، وقد روي عن ربيعة [ ص: 88 ] والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين أنها طاهرة، وأن المحرم هو شربها، وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسكبها في طرق المدينة. قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة - رضي الله عنهم -، ولنهى عنه رسول الله -عليه السلام- كما نهى عن التخلي في الطرق، وقد ذكر ابن خواز منداد: أنها تملك، ونزع إلى ذلك بأنها يمكن أن تزال بها الغصص ويطفأ بها الحريق وهذا نقل لا يعرف لمالك -رحمه الله-.

                                                قال أبو عمر -رحمه الله-: اختلف العلماء في سائر الأنبذة المسكرة. فقال العراقيون: إنما الحرام منها السكر وهو فعل الشارب، وأما النبيذ في نفسه فليس بحرام ولا نجس؛ لأن الخمر من العنب لا غير، بدليل قوله تعالى: إني أراني أعصر خمرا

                                                وقال أيضا: قال أحمد بن شعيب في كتابه: إن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي وهذه زلة من عالم، وقد حذرنا من زلة العالم، ولا حجة في قول أحد مع السنة.

                                                وزعمت طائفة أن أبا جعفر الطحاوي -وكان إمام أهل زمانه- ذهب إلى إباحة الشرب من المسكر [ما لم يسكر].

                                                قال أبو عمر: وهذا لو صح عنه لم يحتج به على من ذكرنا قولهم من الأئمة المتبعين في تحريم المسكر مع ما ثبت من السنة.

                                                قلت: الطحاوي لم يذهب إلى إباحة المسكر، وإنما ذهب إلى أن شرب ما لا يسكر من الأنبذة مباح إلى أن يسكر، فيحرم حينئذ، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية