الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وفروع هذا الأصل كثيرة ستجيء في الدعوى ومنها : ادعى على آخر أنه أخوه وادعى عليه النفقة فقال المدعى عليه ليس هو بأخي ثم مات المدعي عن تركة فجاء المدعى عليه يطلب ميراثه إن قال هو أخي لم يقبل للتناقض وإن قال أبي أو ابني [ ص: 200 ] قبل والأصل أن التناقض

( لا ) يمنع دعوى ما يخفى سببه ك ( النسب والطلاق و ) كذا ( الحرية فلو قال عبد لمشتر [ ص: 201 ] اشترني فأنا عبد ) لزيد ( فاشتراه ) معتمدا على مقالته ( فإذا هو حر ) أي ظهر حرا ( فإن كان البائع حاضرا أو غائبا غيبة معروفة ) يعرف مكانه ( فلا شيء على العبد ) لوجود القابض ( وإلا رجع المشتري على العبد ) بالثمن خلافا للثاني ولو قال اشترني فقط أو أنا عبد فقط لا رجوع عليه اتفاقا درر ( و ) رجع ( العبد على البائع ) إذا ظفر به ( بخلاف الرهن ) بأن قال ارتهني فإني عبد لم يضمن أصلا ، والأصل أن التغرير يوجب الضمان في ضمن عقد المعاوضة لا الوثيقة .

التالي السابق


( قوله وفروع هذا الأصل كثيرة ) منها ادعى عليه ألفا دينا ، فأنكر ثم ادعاها من جهة الشركة ولا تسمع وبالعكس تسمع لإمكان التوفيق ، لأن مال الشركة يجوز كونه دينا بالجحود .

ادعى الشراء من أبيه ثم برهن على أنه ورثها منه يقبل لإمكان أنه جحده الشراء ، ثم ورثه منه بالعكس لا ادعى أولا الوقف ، ثم لنفسه لا تسمع كما لو ادعاها لغيره ثم لنفسه وبالعكس تسمع لصحة الإضافة بالأخصية انتفاعا .

ادعاه بشراء أو إرث ثم ادعاه مطلقا لا تسمع بخلاف العكس كما مر بحر ملخصا ( قوله وإن قال أبي أو ابني ) مفاده أن قول ذلك بعد قول المدعي الأول : هو أخي وليس كذلك لأن المراد أن مدعي النفقة لو قال هو أبي أو ابني [ ص: 200 ] وكذبه ثم بعد موته صدقه المدعى عليه ، وادعى الإرث يقبل والفرق أن ادعاء الولاد مجردا يقبل لعدم حمل النسب على الغير بخلاف دعوى الأخوة أفاده ح ويمكن إرجاع ضمير قال هنا وفي المعطوف عليه إلى مدعي النفقة ويكون المراد أن مدعي الإرث وافقه على دعواه فافهم .

( قوله والأصل إلخ ) أشار بهذا وبالكاف إلى أنه ليس المراد حصر ما يعفى فيه التناقض بما ذكره المصنف بل كل ما في سببه خفاء فمنه اشترى أو استأجر دارا من رجل ، ثم ادعى أن أباه كان اشتراها له في صغره أو أنه ورثها منه وبرهن قبل ادعى شراء من أبيه ، ثم برهن على أنه ورثها منه يقبل وبالعكس لا ، ادعى عينا له وعليه قيمتها ثم ادعى أنها قائمة في يده وعليه إحضارها أو بالعكس يقبل ، اشترى ثوبا في منديل ثم زعم أنه له وأنه لم يعرفه يقبل ، اقتسما التركة ثم ادعى أحدهما أن أباه كان جعل له منها الشيء الفلاني إن قال كان في صغري يقبل وإن مطلقا لا وتمامه في البحر ( قوله كالنسب ) كما لو باع عبدا ولد عنده وباعه المشتري من آخر ، ثم ادعى البائع الأول أنه ابنه يقبل ويبطل الشراء الأول والثاني ، لأن النسب يبتنى على العلوق ، فيخفى عليه فيعذر في التناقص عيني .

وفي جامع الفصولين : قال أنا لست وارث فلان ، ثم ادعى إرثه وبين الجهة يصح إذ التناقص في النسب لا يمنع صحة دعواه ولو قال : ليس هذا الولد مني ، ثم قال : هو مني يصح وبالعكس لا لكون النسب لا ينتفي بنفيه ، وهذا إذا صدقه الابن وإلا فلا يثبت النسب ، لأنه إقرار على الغير بأنه جزئي لكن إذا لم يصدقه الابن ثم صدقه تثبت البنوة ، لأن إقرار الأب لم يبطل بعدم التصديق ، ولو أنكر الأب إقراره فبرهن الابن عليه يقبل والإقرار بأنه ابني يقبل لأنه إقرار على نفسه بأنه جزؤه ، أما الإقرار بأنه أخوه فلا لأنه إقرار على الغير . ولو ادعى أن أبي فلان وصدقه ثبت نسبه ، فإذا ادعى أنه ابن فلان آخر لا يسمع ، لأن فيه إبطال حق الأول ، وكذا لو لم يصدقه الأول ، لأنه أثبت له حق التصديق فلو صححنا إقراره الثاني يفضي إلى إبطال حق التصديق للأول وصار كمن ادعى أنه مولى فلان ولم يصدقه ثم ادعى أنه مولى فلان آخر لم يجز ا هـ وتمامه فيه .

( قوله والطلاق ) حتى لو برهنت على الثلاث بعد ما اختلعت قبل برهانها واستردت بدل الخلع لاستقلال الزوج بذلك بدون علمها ، وكذا لو قاسمت المرأة ورثة زوجها ، وقد أقروا بالزوجية كبارا ثم برهنوا على أن زوجها كان طلقها في صحته ثلاثا رجعوا عليها بما أخذت نهر . وفي البحر عن البزازية : ادعت الطلاق فأنكر ثم مات لا تملك مطالبة الميراث ا هـ تأمل ( قوله وكذا الحرية ) أي ولو عارضه وفصله عما قبله بكذا إشارة إلى أن التفريع بعده عليه فقط ومن فروع ذلك : لو برهن البائع أو المشتري أن البائع حرره قبل بيعه يقبل إذ التناقض متحمل في العتق .

قال في جامع الفصولين بعد نقله أقول : التناقض إنما يتحمل بناء على الخفاء وذا يتحقق في المشتري لا البائع لأنه يستبد بالعتق فالأولى أن يحمل هذا على قولهما إذ الدعوى غير شرط عندهما في عتق العبد فتقبل بينة البائع حسبة وإن لم تصح الدعوى للتناقض ا هـ .

ومنها : لو أدى المكاتب بدل الكتابة ثم ادعى تقدم إعتاقه قبلها يقبل بزازية وفي المبسوط : أقرت له بالرق فباعها ثم برهنت على عتق من البائع أو على أنها حرة الأصل يقبل استحسانا ولو باع عبدا وقبضه المشتري وذهب به إلى منزله والعبد ساكت وهو ممن يعبر عن نفسه فهو إقرار منه بالرق ، فلا يصدق في دعوى الحرية بعده لسعيه في نقض ما تم من جهته إلا أن يبرهن فيقبل وكذا لو رهنه ، أو دفعه بجناية كان إقرارا بالرق لا لو آجره ثم قال : أنا حر فالقول له لأن الإجارة تصرف في منافعه لا في عينه وتمامه في البحر ( قوله فلو قال عبد ) أي إنسان وسماه [ ص: 201 ] عبدا باعتبار ظاهر الحال الآن وإلا فالفرض أنه حر وقوله لمشتر أي لمريد الشراء .

( قوله اشترني فأنا عبد ) لا بد في كون المشتري مغرورا يرجع بالثمن من هذين القيدين أعني الأمر بالشراء والإقرار بكونه عبدا كما في الفتح وغيره ، وما في العتابية من الاكتفاء بسكوت العبد عند البيع في رجوع المشتري عليه فهو مخالف لما في سائر الكتب وإن غلط فيه بعض من تصدر للإفتاء بدار السلطنة العلية وأفتى بخلافه كما أفاده الأنقروي في منهوات فتاويه وأفاد بقوله : اشترني أنه لو قال له أجنبي اشتره فإنه عبد فلا رجوع بحال كما في جامع الفصولين وغيره ( قوله لزيد ) كذا في النهر قال السائحاني والظاهر أنه ليس بشرط ، لأن الغرور في ضمن المعاوضة ليس كفالة صريحة حتى يشترط معرفة المكفول له وعنه ومما اغتفروا أيضا هنا رجوع العبد على سيده بما أدى مع أنه لم يأمره بهذا الضمان الواقع منه ضمن قوله اشترني فأنا عبد ا هـ ( قوله متعمدا على مقالته ) احترز به عما إذا كان عالما بكونه حرا لأنه لا تغرير مع العلم كما لا يخفى ، ولذا استولدها عالما بأن البائع غصبها فاستحقت لا يرجع بقيمة الولد وهو رقيق كما يذكره الشارح فافهم .

( قوله أي ظهر حرا ) ببينة أقامها ، لأنه وإن كان دعوى العبد شرطا عند أبي حنيفة في الحرية الأصلية ، وكذا في العارضة بعتق ونحوه في الصحيح لكن التناقض لا يمنع صحتها كما أفاده تفريع المسألة وتمامه في الفتح ( قوله يعرف مكانه ) ظاهر إطلاقهم ولو بعد بحيث لا يوصل إليه عادة كأقصى الهند نهر فافهم ( قوله لوجود القابض ) أي البائع والأولى قول الفتح للتمكن من الرجوع على القابض ( قوله وإلا ) أي بأن لم يعلم مكانه ومثله ما إذا مات ولم يترك شيئا فلو كان له تركة يعلم مكانها يرجع فيها فيما يظهر لأن ذلك دين عليه ، كما يأتي والدين لا يبطل بالموت فافهم ( قوله رجع المشتري على العبد بالثمن ) لأنه يجعل العبد بالأمر بالشراء ضامنا الثمن له عند تعذر رجوعه على البائع دفعا للغرور والضرر ولا تعذر إلا فيما لا يعرف مكانه والبيع عقد معاوضة فأمكن أن يجعل الأمر به ضمانا للسلامة كما هو موجبه هداية ( قوله خلافا للثاني ) أي في رواية عنه .

( قوله لا رجوع عليه اتفاقا ) لأن الحر يشترى تخليصا كالأسير وقد لا يجوز شراء العبد كالمكاتب زيلعي ( قوله ورجع العبد على البائع ) إنما يرجع عليه مع أنه لم يأمره بالضمان عنه لأنه أدى دينه ، وهو مضطر في أدائه فتح فهو كمعير الرهن إذا قضى الدين لتخليص الرهن يرجع على المديون لأنه مضطر في أدائه ( قوله لم يضمن أصلا ) أي سواء كان البائع حاضرا أو غائبا ، قال في الهداية : لأن الرهن ليس بمعاوضة بل هو وثيقة لاستيفاء عين حقه يجوز الرهن ببدل الصرف والمسلم فيه مع حرمة الاستبدال ، فلا يجعل الأمر به ضمانا للسلامة ، وبخلاف الأجنبي أي لو قال اشتره فإنه عبد لأنه لا يعبأ بقوله فيه ، فلا يتحقق الغرور ونظير مسألتنا قول المولى بايعوا عبدي هذا فإني قد أذنت له ثم ظهر الاستحقاق يرجعون عليه بقيمته ا هـ ( قوله والأصل إلخ ) مر هذا الأصل مبسوطا آخر باب المرابحة والتولية .




الخدمات العلمية